
تحرير: جيهان مشكور
في الحلقة الثالثة من سلسلة قراءة في رؤية الدكتور نجيب أقصبي من خلال حواره مع شباب حركة الجيل زد، نغوص في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب: “أزمة الماء” .. هذه الأزمة التي تجاوزت حدود الجفاف الطبيعي لتتحول إلى نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واقتصادية متراكمة، كان أبرزها سياسة الدولة الفلاحية منذ ستينات القرن الماضي وصولاً إلى مخطط المغرب الأخضر.
يرسم أقصبي من خلال تحليله، خريطة دقيقة لمسار السياسات المائية والفلاحية في المغرب، كاشفاً عن جذور الأزمة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، ومبرزاً المفارقة بين الخطاب الرسمي حول “الاستدامة” وواقع السياسات العمومية الذي يكرّس “الاستنزاف بدل الحماية” .

من الستينات إلى الثمانينات: بداية التوجه نحو الفلاحة التصديرية
يُعيد أقصبي أصل الأزمة إلى الاختيارات الأولى التي اتخذها المغرب المستقل في مجال الفلاحة، حين تبنى منذ ستينات القرن الماضي ما سماه “الرهان على الفلاحة التصديرية”، بتأثير مباشر من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين تدخلا مبكراً في رسم ملامح السياسة الاقتصادية الوطنية، حيث كانت الرؤية السائدة آنذاك مبنية على مفهوم “الميزة المقارنة”: المغرب بلد يتوفر على الأرض والماء والشمس، وبالتالي عليه أن يتخصص في إنتاج مواد فلاحية موجهة للأسواق الخارجية ذات قيمة عالية، بدلاً من التركيز على تلبية الحاجيات الغذائية الداخلية.
اقرأ أيضا…
هكذا تم توجيه الموارد المالية والبشرية والبنى التحتية نحو بناء فلاحة “عصرية”، تعتمد على الري المكثف والسدود الكبرى، وتستجيب لحاجيات الأسواق الأوروبية أكثر من حاجيات المواطن المغربي.. جعلت هذه المقاربة الماء يتحول تدريجياً من مورد عمومي استراتيجي إلى أداة في خدمة اقتصاد تصديري ريعي حسب رأيه.
السدود… من إنجاز تنموي إلى مأزق بيئي
يشير أقصبي إلى أن الدولة المغربية في عهد الحسن الثاني تبنت سياسة السدود الكبرى كخيار استراتيجي لتحقيق “مليون هكتار مسقية”.. كان الهدف آنذاك هو ضبط الموارد المائية وتوسيع الأراضي المنتجة،
غير أن هذه السياسة، رغم إنجازاتها، لم تكن مصحوبة برؤية استدامة أو بعد بيئي، فتحولت تدريجياً إلى مصدر اختلالات هيكلية، حيث تركز الإنتاج في مناطق محددة وارتبط بمشاريع فلاحية تستهلك كميات هائلة من الماء.
التقويم الهيكلي: اللحظة التي تفككت فيها الدولة كفاعل منظم
ومع حلول الثمانينات، جاء التقويم الهيكلي وهو البرنامج الذي فرضه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة الاقتصاد.. ليغير قواعد اللعبة: تم تحرير الأسواق، ورفع يد الدولة عن ضبط الإنتاج تحت شعارين رئيسيين: “الخوصصة والتحرير” .. وأُعطي الفلاحون الكبار حرية التصرف في الأراضي والمساحات المسقية بدعوى “تحرير الفلاح”.
النتيجة – كما يقول أقصبي – أن المال العمومي الذي استُثمر في السدود تحول إلى خدمة مصالح خاصة، لأن الفلاحين الكبار استغلوا هذه الموارد لإنتاج محاصيل تصديرية مربحة، على حساب الاكتفاء الذاتي الوطني، وبذلك، انقلبت السياسة الفلاحية رأساً على عقب: من فلاح يخدم السوق الوطنية إلى فلاح يستهلك مواردها لخدمة الأسواق الأجنبية.
من التقويم الهيكلي إلى الفوضى المائية
يشير أقصبي إلى أن التحول الأكبر في علاقة الفلاحة بالماء بدأ حين “أصبح ماء السدود غير كافٍ أو مكلفاً” بالنسبة للفلاحين الكبار.. هؤلاء، الذين راكموا الثروة بفضل تصدير منتجاتهم، لجأوا إلى “استغلال المياه الجوفية” عبر حفر الآبار، ما أدى إلى استنزاف خطير للفرشات المائية في مختلف مناطق البلاد.
ويزيد يضيف أقصبي، من حدة المفارقة حين يكشف أن الدولة كانت تدعم عملياً هذا الاستنزاف، من خلال دعمها لغاز البوتان المستعمل في ضخ المياه.. فبينما يُفترض أن الدعم موجّه للأسر للاستعمال المنزلي، تم تحويله في الواقع إلى آلاف الفلاحين الكبار الذين يستخدمونه لرفع المياه الجوفية لسقي محاصيل تصديرية، و بهذا، أصبحت الدولة تمول استنزاف مواردها المائية.
مخطط المغرب الأخضر: تعميق الأزمة بدل إصلاحها
يرى الدكتور أقصبي أن إطلاق مخطط “المغرب الأخضر” في عام 2008 لم يشكل قطيعة مع هذه السياسات، بل جاء ليعمّقها، فبدلاً من إعادة التوازن بين الفلاحة التصديرية والفلاحة المعيشية، استمر المخطط في توجيه الدعم نحو الفلاحين الكبار، عبر منح “دعم مباشر بنسبة تصل إلى 100%” لتجهيز الأراضي بالسقي الموضعي (التنقيط)، و”80% للفلاحين الكبار” الذين يملكون مئات الهكتارات.

ورغم أن السقي الموضعي يُفترض أنه تقنية اقتصادية في استهلاك الماء، إلا أن تطبيقه في المغرب تم بطريقة عشوائية وغير مراقبة، ما جعل نتائجه عكسية.. إذ أدى إلى توسيع المساحات المسقية بشكل مفرط، وارتفاع عدد الآبار المحفورة، وتضاعف الضغط على المياه الجوفية، في غياب أي دراسة علمية أو تقييم ميداني لحجم الموارد المائية المتاحة.
يصف أقصبي الوضع بوضوح قائلاً: “الدولة أغمضت عينيها وتركت الفوضى تعم.. لا دراسات، لا مراقبة، لا رؤية مستدامة.. و هكذا، تحول “المغرب الأخضر” إلى “مغرب العطش” ، خصوصاً في مناطق كـسوس ماسة والرحامنة وتادلة، حيث انخفض منسوب المياه الجوفية إلى مستويات تنذر بالخطر.
الجفاف أم السياسات؟ سؤال أقصبي المحوري
يرفض أقصبي اختزال أزمة الماء في عامل “الجفاف” وحده، معتبراً أن الطبيعة ليست سوى جزء من المشكلة.. فالمشكل الحقيقي، حسب تحليله، يكمن في “الاختيارات السياسية والفلاحية الخاطئة” التي حولت الماء من ثروة وطنية إلى وسيلة لتحقيق أرباح خاصة.
يلخص أقصبي المفارقة المغربية في عبارة:
“بلاد تعاني من العطش، ومع ذلك تُفاخر بارتفاع صادراتها من الدلاح والطماطم والأفوكادو.”
فبينما انخفضت القدرة الاستيعابية للسدود إلى أقل من 25% من طاقتها، وتراجع المخزون المائي إلى حوالي 4 أو 5 مليارات متر مكعب فقط، ما تزال الصادرات الفلاحية في ارتفاع مستمر.. وهذا يعني – في تقديره – أن المغرب يواصل تصدير الماء في شكل محاصيل، أي أنه يفرغ موارده الطبيعية لصالح أسواق أجنبية، بينما يعاني المواطن في الداخل من ندرة الماء وارتفاع فواتير التزود به.
أقصبي: الجفاف طبيعي، لكن السياسات مجففة
يرى أقصبي أن هذه المفارقة تجسد “العبث الاقتصادي” في السياسات العمومية: الدولة تدعم الفلاحين الكبار بالمال العام، وتمنحهم الغاز المدعم لتشغيل المضخات، وتوفر لهم الإعفاءات الضريبية، بينما المواطن العادي يتحمل نتائج الجفاف وتراجع الفرشات المائية وتدهور الأمن الغذائي.
ويضيف أن هذه الوضعية ليست طارئة، بل هي نتيجة “سياسة تراكمية طويلة المدى” ، حيث لم تُطرح يوماً مسألة “الأمن المائي” كأولوية وطنية حقيقية، بقدر ما ظلت المياه تُستغل كعنصر لخدمة استراتيجية تصدير غذائية موجّهة نحو الخارج.
نحو إعادة تعريف الأمن المائي والسيادة الغذائية
يختصر أقصبي رؤيته بكلمة واحدة: “الأمن المائي ليس مسألة تقنية، بل خيار سياسي. فحين تُباع المياه باللتر للفقراء وتُهدر بالهكتار للأغنياء، تكون الدولة هي التي صنعت العطش.”
بهذا المنظور النقدي، يواصل نجيب أقصبي تفكيك بنية الاقتصاد المغربي، كاشفًا أن أزمة الماء ليست في السحب التي لم تمطر، بل في السياسات التي لم تُبصر.
ويؤكد أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من “تحرير الفلاحة من منطق السوق النيوليبرالي” ، وإعادة توجيهها نحو تلبية الحاجيات الداخلية أولاً، مع ضبط صارم لاستغلال الموارد المائية، وربط الدعم العمومي بمردود اجتماعي ووطني واضح باعتبار الماء “حق وطني و استراتيجي” يجب أن يُدار بعقلانية وعدالة اجتماعية..
استنتاجات
تُبرز هذه الحلقة من سلسلة “قراءة في رؤية أقصبي” أن أزمة الماء ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة اختيارات سياسية واقتصادية متراكمة.. رؤية أقصبي تقلب زاوية النظر من الحديث عن “الجفاف كظاهرة طبيعية” إلى الحديث عن “جفاف السياسات”، ومن معالجة الأعراض إلى مساءلة الجذور، وبينما يستمر الجفاف الطبيعي في نحت جغرافيا الأرض، يستمر “جفاف القرار” في نحت واقع جديد من اللاعدالة المائية، حيث “تُروى الحقول الموجهة للتصدير بينما يعطش الإنسان المغربي في القرى والمدن”.






