الرئسيةسياسة

ليلة مطر تقتل..خريبكة تودّع أسرة كاملة بسبب حفرة مهملة

لم تكن فاجعة دوار أولاد سعد مجرد حادثٍ عرضيّ تحت المطر، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة القرى المغربية. في ليلة واحدة، ابتلعت حفرة صغيرة خمسة أحلام دفعةً واحدة، لتكشف أن الموت في المغرب لا يحتاج زلزالاً أو فيضاناً.. يكفي قليلٌ من الإهمال وكثيرٌ من الصمت. بين جسد أمٍ حاول زوجها إنقاذها، وطفلين هرعا بدافع الفطرة، وجارٍ انتهى بطلاً ميتاً، تُروى حكاية بلدٍ قد يغرق أهله في الحفر أكثر مما ينجون من المطر.

تحرير: جيهان مشكور

لم تكن ليلة الثلاثاء مجرد ليلة ماطرة في ضواحي خريبكة، بل كانت ليلةً سوداء بلون الفاجعة التي خيّمت على دوار أولاد سعد، حيث تحولت حفرة مائية لتجميع مياه الأمطار”المطفية” إلى فخّ قاتل ابتلع أسرة كاملة في مشهد يختصر كلّ مآسي الإهمال واللامبالاة التي تُغرق القرى المغربية عامًا بعد عام..

الأم سقطت أولاً، فهرع الزوج لإنقاذها، ثم لحق بهما الابن فالابنة، ثم جارٌ حاول أن يكون بطلاً في مشهدٍ عبثي انتهى بموته هو الآخر.. خمس أرواح اختفت في لحظات، وكأن الأرض قررت أن تبتلع من بقي من “المنسيين” الذين لا يصلهم شيء سوى بيانات التعازي.

مأساة الفقر واللامبالاة

القصة ليست عن حادث عرضي.. إنها عن بلدٍ ما زال الموت فيه يتربص بأضعف حلقاته. حفرة مائية تُترك مفتوحة وسط منطقة سكنية، بلا سياج ولا لافتة تحذير، تُختصر فيها معاني “الإهمال الهيكلي” الذي يغرق معه المواطن البسيط حرفياً ومعنوياً.

تسجَّل في المغرب، سنوياً مئات الحوادث المماثلة بسبب غياب البنية التحتية والرقابة،و بحسب تقارير المندوبية السامية للتخطيط، أكثر من “35% من سكان القرى يعيشون في مناطق تفتقر إلى شبكات صرف صحي آمنة” ، فيما تتجاوز نسبة غياب التجهيزات الأساسية في الجماعات القروية “40%” ، ما يجعل كل موسم مطري امتحاناً قاسياً للفقير وحده.

حين يصبح المطر نقمة

الأمطار التي يفترض أن تكون نعمة تتحول كل عام إلى نقمة، لأنها تهطل على أرضٍ غير مهيأة.. تتحول الطرق إلى أنهار، والحفر إلى مصائد، ومع كل حادث جديد، يُعاد طرح السؤال نفسه: أين الجماعة؟ أين المجلس الإقليمي؟ أين وزارة التجهيز والماء؟ لكن لا جواب سوى صمتٍ ثقيل وبلاغٍ مكرر يبدأ بعبارة: “نُعرب عن أسفنا العميق”.

في خريبكة، المدينة التي تُخرج من باطنها الفوسفاط لتغذي الاقتصاد الوطني، تموت الأسر على سطحها عطشاً وغرقاً في آنٍ واحد.. “أرقام المكتب الشريف للفوسفاط تتحدث عن أرباح بمليارات الدراهم سنوياً” ، بينما دواوير الجوار ما زالت تعيش في العصور الأولى للبنية التحتية.. هل يُعقل أن يُغرق المطر من يُفترض أن يستفيدوا من ثروة أرضهم؟

غياب الدولة وغياب حصر “النقاط السوداء”

من جهتها تنفق الدولةٍ الملايير على مشاريع التلميع والواجهة، فيما تبقى أرواح البسطاء خارج المعادلة، لا تُوجد لوائح وطنية تُلزم الجماعات المحلية بحصر “النقاط السوداء” التي تشكل خطراً على السكان، ولا ميزانيات مخصصة لتأمينها، فوفقاً لتقرير المجلس الأعلى للحسابات، “أكثر من 60% من الجماعات القروية لا تملك خططاً استباقية لتدبير مخاطر الفيضانات” ، رغم أن هذه الكوارث تتكرر سنوياً بنفس السيناريو: غرقٌ، حزنٌ، صمتٌ، ثم نسيان.

البعد الاجتماعي والسياسي للمأساة

حادثة خريبكة ليست فقط فاجعة إنسانية، بل هي مرآة سياسية تعكس هشاشة العدالة المجالية، و الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق القروية لم تعد فقط في التعليم أو الصحة، بل حتى في “حق النجاة من المطر”، و عندما يُترك المواطن ليواجه حفرة قاتلة وحده، فذلك يعني أن الدولة انسحبت من أبسط التزاماتها: حماية الحياة.

سيناريو ساخر بطعم المرارة

غداً، قد تُشكل لجنة، وقد تُصدر الجماعة بياناً يؤكد “فتح تحقيق”، وربما تُرمم الحفرة بالإسمنت الرخيص قبل زيارة عامل الإقليم.. لكن الحفرة الأكبر، تلك التي في قلب المنظومة، ستبقى مفتوحة.

في المغرب، لا يغرق الناس فقط في المياه… بل في الإهمال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى