الرئسيةرأي/ كرونيك

التوراني يكتب: صدمة المهنة وسقوط الأقنعة

شاهدتُ هذا الصباح الفيديو الذي نشره حميد المهداوي…
ووالله لقد كان مظلمًا مخيفًا ورهيبًا.. وأكثر مما يمكن أن تختزنه هذه العبارات..
لم يكن مجرد بضعة مقاطع عابرة، بل كان نافذة مفتوحة قسرا على سراديب السلطة المعتمة، على تلك الدهاليز التي تُصنع وتُحاك فيها المؤامرات الدنيئة للسيطرة والهيمنة على العقول والضمائر…

ما رأيته ليس تفصيلاً صغيرًا يمكن تجاهله.. إنه بركان يتفجر

إنه مشهد أفظع وأعمق مما استطاع جورج أورويل أن يصفه في روايته المرعبة “1984”.. لأن أورويل كتب خيالاً، ونحن هنا أمام واقع، أمام حقيقة يتم تفصيلها أمام أعيننا.

ما رأيته ليس تفصيلاً صغيرًا يمكن تجاهله.. إنه بركان يتفجر، يكشف عن حجم الكارثة الحقيقية…

هذا الفيديو ليس مجرد تسريب، إنه لا يهم المجال الصحفي في بلادنا السعيدة فحسب، بل هو يكشف ويفضح – وهذا هو الأفظع والأخطر- يبين ما عليه الحال والأحوال في أكثر من قطاع ومجال حيوي يمس حياة المواطن وكرامته..

استهداف آخر معقل للدفاع عن الحق العام

إنها عصابة منظمة، لا تستهدف الإعلام بذاته، بل تستهدف الحقيقة، تستهدف الوعي، تستهدف آخر معقل للدفاع عن الحق العام.. والعياذ بالله من هذا الانحدار الذي لم يعد له قاع.

لقد فسدت شهيتي لتناول وجبة الفطور بعد أن رأيتُ تلك المشاهد القذرة.. ارتفع ضغط دمي أكثر بسبب هذ الصدمة الأخلاقية التي لا تحتمل..

ولعنتُ في سري وعلني انتمائي لمهنة شريفة اخترتها عن إيمان وقناعة وحب.. مهنة كان لي فيها رموز ورواد حقيقيون ومناضلون وكُتاب عظماء رسخوا بداخلي هذا الحب وعلّموني أن الكلمة رسالة وليست سلعة…

لكن بعد هذا الفيديو-الفضيحة، الذي يجفف آخر قطرة ماء من نهر الشرف في هذا البلد، أرى أنه علي إعلان استقالتي من مهنة الصحافة.

لم تعد هذه مهنة شريفة تحت هذا السقف، لا حرية ولا مسؤولية حقيقية تطوقها وتكلل جبين أهلها.. لقد هزلت حتى بانت كُلاها.. ولم يبق لنا إلا هيكلها العظمي الهزيل الذي يتوسل الشفقة.

إذا لم تتحرك السلطات المعنية عقب نشر هذه المهازل التي تدمر البنية التحتية للأخلاق والقانون.. وإذا لم تبادر إلى ما يُفترض منها للحفاظ على الحق والقانون… فأي زعم بعد ذلك للمنابر الرسمية، وفي ذيلها مواقع مكبرات الصوت شبه العمومية؟

هل ستبقون تدّعون النزاهة والعدالة والشفافية وأنتم صامتون إزاء هذه الجرائم الموثقة؟

إن صمتكم هو إدانة لكم، واعتراف ضمني بأنكم جزء من اللعبة.. جزء من المؤامرة.

هذه “فضيحة بجلاجل” كما يقول إخوتنا المصريون، ليست اكتشافًا جديدًا، بل هي وقائع كان الكثيرون يعرفونها همسًا وخلف الأبواب المغلقة. لكن لحسن الحظ، ولنقل لحسن حظ الحقيقة، فإن التقنيات الحديثة والدقيقة تولت الفضح التام على قارعة المشهد العام، لتجعل إنكارها مستحيلاً. لقد أزالت التكنولوجيا غطاء النفاق عن وجوهنا القبيحة.

لقد رأينا بأم أعيننا من يتم تعيينهم وتنصيبهم لتسيير القطاع الصحافي…

التعيين لم يكن استحقاقًا لكفاءات علمية أو خبرات مهنية يتحلون بها، بل لصفات أخرى و”سير ذاتية” قذرة تطلبها الأجهزة القابضة على مقدرات البلاد، وتُدرك جيدًا توفرهم عليها: الولاء الأعمى والخضوع المطلق والاستعداد لبيع الضمير…
هؤلاء هم حراس المعبد الجديد، حراس الظلام..

لو اضطررنا لسرد السير الذاتية لهذه العصابة تفصيليًا، لَوَلَّيتُم منهم هربًا…
لا يمكنني، ولا يجب علينا جميعًا، السكوت.

أترحَّم على الموتى من روادنا العظماء في الصحافة، وأتساءل بمرارة وشيء من الدموع..

هل أخبرهم بأن الضربة القاتلة والمميتة أصابت مهنتهم النبيلة في هذا البلد وتم إقبارها على أيدي هذه الزمرة الفاسدة؟
هل أقول لهم إنهم رحلوا وشاهدوا فقط مقدمات الكارثة، أما نهايتها فكانت أفظع مما توقعوا؟

إن على كل من يعتقد بكونه صحفيًا حقيقيًا ومواطنًا حقيقيًا في هذا البلد ويؤمن بأنه يمتلك ذرة كرامة وشرف، أن يتخذ موقفاً تاريخياً الآن…

عليه أن يتحرك حركة حقيقية، وليس فقط أن يتململ ويتفرج من مكانه…
عليه أن ينتفض.. وألا يكتفي بأضعف الإيمان…
عليه أن يرفض هذا التهميش وهذا العبث… أن لا يصمت…

لأن الصمت لم يعد ممكنًا.. لأن الصمت الآن هو مشاركة في الجريمة، هو إعلان رسمي لقبولنا بالذل والفساد…
فليكن صوتنا أعلى من صدى دهاليزهم المعتمة…

“عصابة” منظمة احتلت المواقع الحساسة

إن الحقيقة ليست سلعة تباع في أسواق العار…
لقد انتهى زمن الصمت والمواربة!

إن المشاهد التي كشفها الفيديو الذي نشر بعض مقاطعه حميد المهداوي ليست مجرد خرق للقانون، بل هي إعلان حرب على شرف هذه المهنة وكرامة هذا الوطن…

ما رأيناه هو قمة جبل الجليد لـ “عصابة” منظمة احتلت المواقع الحساسة – مواقع يفترض أن تكون قلاعاً للكفاءة والنزاهة – وتم تنصيبها عبر سير ذاتية يطلبها الفساد، لا الكفاءة.

لقد أصابنا هذا الفيديو في مقتل.. فلتسقط كل الشعارات الرنانة عن “حرية الصحافة” و”مسؤولية الكلمة”…

إن ما نشهده هو إقبار ممنهج للمهنة، ولم يعد أمامنا سوى خيار واحد.. أن نرفض هذه الميتة بكرامة.. لا يمكن لصحفي حقيقي أن ينام بعد أن رأى كيف تُدار دنيانا بظلام الدهاليز…

إنها حقائق تبعث على الغثيان وعلى القيء.. هي أعراض لمرض عام اسمه “الفساد المتغلغل”، الذي ترفضه كيمياء الشرف في أجسادنا.

إن تضامني هنا ليس تضامنًا شخصيًا مع حميد المهداوي كفرد، فربما أختلف معه في الأسلوب أو الطريقة، لكنه تضامن مبدئي مع الحق الذي كشفه، ومع حرية التعبير، ومع الناقل الذي فضح الفساد، بغض النظر عن هويته أو أسلوبه. وضد المهانة والمنع والقهر الذي يتعرض له كل من يرفع صوته ضد دهاليز الظلام.

الجمعة 21 نوفمبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى