
تسريبات “لجنة الأخلاقيات”.. نافذة على بنية حكم تشتغل في الظل
أعادت مقاطع الفيديو المسرّبة من اجتماع لجنة أخلاقيات المهنة التابعة للمجلس الوطني للصحافة الجدل حول أوضاع الحقل الإعلامي في المغرب، لكنها، وفق عدد من المتابعين، كشفت ما هو أبعد من “انحراف مهني” أو “سلوكيات شخصية”. فالتسريبات، التي أثارت صدمة واسعة، قدّمت نموذجاً مصغّراً لطريقة اشتغال منظومة أوسع تتجاوز حدود قطاع الصحافة نحو بنية الحكم نفسها.
فضيحة تتجاوز الأشخاص إلى منطق السلطةالتعليقات المتداولة التي ركّزت على الأفراد الذين ظهروا في التسجيلات أو على “بطاقة مهنية” أو على “جلسة تأديبية” وُصفت بأنها مقاربة سطحية.
فالتسريبات، وفق تحليل الصحافي علي أنوزلا، الذي نشره على صفحته على الفايسبوك، “نافذة صغيرة تطل على بنية عميقة تفضح كيفية اشتغال السلطة في البلاد”.
كما أكد في التدوينة ذاتها، أن اختزال الحدث في قصة شخص واحد أو في فلتات لسان “أعضاء لجنة تحتاج هي نفسها إلى التأديب”، يغيّب جوهر المشكلة: وجود آليات غير مرئية تتخذ القرارات، وتوزع الامتيازات والعقوبات بمنطق إخضاعي.
“بروفة” لغرف أكبر وأعتم
إن المقاطع المسرّبة، كما يرى أنوزلا في تدوينته، تشبه “بروفة” لما يجري داخل غرف أكثر تأثيراً، حيث تُطبخ قرارات تمسّ الاقتصاد والقضاء والإعلام والثقافة والحريات. الأشخاص الذين ظهروا مجرد “كومبارسات” داخل مسرح أوسع يُدار بالآليات ذاتها:
الرضا لمن يخضع، والتأديب لكل من يعترض أو يخرج عن الصف.
كما يرى أن السلوكيات التي ظهرت في التسريبات ليست شذوذاً عن القاعدة، بل انعكاساً لما يجري داخل عشرات الغرف المشابهة على مختلف مستويات الدولة منذ سنوات.
اعتبر أنوزلا أن الفساد البنيوي يُدار عبر “سلسلة فضائح تُنسي بعضها بعضاً”. فعندما كانت فضيحة صفقات الأدوية تستأثر بالاهتمام، طغت عليها تسريبات اللجنة، وغداً قد تأتي فضيحة جديدة تطمر سابقتها، محذرا من الانشغال بـ“السخرية من الكومبارسات”، لأن ذلك يقود إلى تجاهل البنية الحقيقية المنتِجة للفساد والمحتمية به.
من أورويل إلى كافكا.. وتجلّيات الاستبداد
الإحالات المتكررة إلى جورج أورويل وكافكا وصنع الله إبراهيم ليست، وفق أنوزلا، ترفاً ثقافياً. فهذه الأعمال الأدبية صاغت جوهر ما تكشفه التسريبات، إنه الاستبداد المتجدر، الذي يعمل في الظل، يتقن التخويف أكثر مما يتقن الحكم، ويستمر لأنه بلا رقابة ولا محاسبة.
في السياق ذاته، يرى أنوزلا أن المطلوب اليوم ليس الشماتة في الأشخاص الذين ظهروا في التسجيلات، ولا انتظار تحقيقات “لن تفتح أو لن تظهر نتائجها”، بل اعتبار، أن النقاش الحقيقي، برأيه، يجب أن ينصب على كيفية إعادة بناء فضاء سياسي وإعلامي ومؤسساتي يستجيب لتطلعات المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
فرصة للفهم لا للنسيان
واختتم أنوزلا تدوينته، بالتأكيد، بأن هذه التسريبات تمثل فرصة جديدة لفهم ميكانيزمات “العلبة السوداء” التي تتحكم في أهم مفاصل القرار في البلاد. فرصة لتحويل الغضب الشعبي إلى وعي نقدي، بدل أن تتحول إلى نسيان آخر يُضاف إلى ذاكرة مثقلة بفضائح متوالية وبغياب مساءلة حقيقية، وفق تعبيره.




