الرئسيةالكتابثقافة وفنون

مرآوية الذات الشعرية: نحو فهم جديد للمضاعف في الكتابة

° بقلم: فاطمة الزهراء محفوظ

يعكس كتاب “الشعر والمرايا: مبحث في أنطولوجيا المضاعف” لمحمد علوط مشروعًا نقديًا وفلسفيًا عميقًا يسعى إلى إعادة التفكير في ماهية الشعر خارج القوالب الجاهزة والتصورات التقليدية التي حكمت تاريخه الطويل.

ينطلق علوط من مفهوم “المرآة” باعتباره استعارة مركزية

لا يكتفي المؤلف بمقاربة الشعر كفن لغوي أو تعبير جمالي، بقدر ما يرفعه إلى مستوى التجربة الوجودية، حيث تغدو الكتابة الشعرية اختبارًا حقيقيًا للكينونة، وفضاءً مفتوحًا لمساءلة الذات والعالم في آن واحد.

ينطلق علوط من مفهوم “المرآة” باعتباره استعارة مركزية تؤطر مجمل تصوره للشعر، لكنها ليست مرآة الانعكاس البسيط أو التطابق، بل مرآة الانشطار والتضاعف والتشظي.

فالأنا الشعرية، في هذا المنظور، كيان متعدد، يتشكل من تفاعل أصوات وذاكرات وتجارب متراكبة.

حيث يصبح النص الشعري فضاءً مرآويًا تتقاطع فيه الذوات، وتتناسل فيه المعاني بلا نهاية، في انفتاح دائم على الممكن واللامتناهي.

يقوم الكتاب على نقد جذري للخطابات النقدية

يقوم الكتاب على نقد جذري للخطابات النقدية التي اختزلت الشعر في مناهج جاهزة أو قراءات إسقاطية، حيث يرى المؤلف أن هذه المقاربات قد أفرغت النص من حيويته، وحوّلته إلى مجرد موضوع للتطبيق النظري.

في مقابل ذلك، يدعو إلى “الإصغاء” للنص، والاقتراب منه بوصفه كيانًا حيًا، يمتلك منطقه الداخلي، وطبقاته العميقة التي لا تنكشف إلا عبر قراءة تأملية منفتحة.

فالشعر، كما يقدمه علوط، ليس خطابًا عن الواقع، بل قوة خالقة للعالم، تعيد تشكيله عبر اللغة والخيال.

تفكيك مفهوم الهوية الشعرية

كما يشتغل الكتاب على تفكيك مفهوم الهوية الشعرية، حيث ينتقل من التصور الكلاسيكي القائم على الثبات والتطابق، إلى تصور حداثي يقوم على الاختلاف والتعدد. فالقصيدة لم تعد تعبيرًا عن ذات مكتملة، بل بحثًا دائمًا عن صوت مفقود، وعن صورة متحولة في “مرايا الكينونة المفتقدة”.

هذا التحول يعكس، في عمقه، انتقال الشعر من طمأنينة الأجوبة إلى قلق الأسئلة، ومن يقين المعنى إلى انفتاح الدلالة. ولا يكتفي علوط بالاشتغال النظري، بل ينفتح على شبكة واسعة من المرجعيات الفلسفية والنقدية، من هيدغر وبلانشو إلى رولان بارت وباشلار، ومن هارولد بلوم إلى أدونيس.

غير أن هذه الإحالات لا تأتي بوصفها استعراضًا معرفيًا، بل كجزء من نسيج فكري يسعى إلى بناء رؤية متكاملة للشعر باعتباره تجربة أنطولوجية، تتقاطع فيها الفلسفة والأدب والتأمل الوجودي.

مفهوم “شعرية الأثر” بوصفه أفقًا جديدًا لفهم الكتابة

في هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوم “شعرية الأثر” بوصفه أفقًا جديدًا لفهم الكتابة، حيث لا يكون النص أثرًا مفتوحًا، يتشكل عبر تفاعل نصوص أخرى، وذاكرات متعددة، في ما يشبه أرخبيلًا من المرايا المتجاوبة.

فكل قصيدة، بحسب هذا التصور، هي صدى لقصائد أخرى، وكل شاعر هو امتداد وتحول في آن واحد، داخل سلسلة لا نهائية من الكتابة.

كما يولي المؤلف أهمية خاصة لعلاقة الشعر بالقراءة، معتبرًا أن المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يُبنى في لحظة التلقي، من خلال تفاعل القارئ مع النص.

ومن هنا، تصبح القراءة فعلًا إبداعيًا موازياً للكتابة، يساهم في إنتاج المعنى وإعادة تشكيله.

فالنص الشعري، في جوهره، أفق مفتوح لإعادة القراءة بلا نهاية.

يقدم كتاب “الشعر والمرايا: مبحث في أنطولوجيا المضاعف” رؤية عميقة ومغايرة للشعر، تخرجه من ضيق التصنيف إلى رحابة الوجود، ومن سلطة المعنى الواحد إلى تعددية الدلالات.

إنه دعوة إلى التفكير في الشعر كفعل حرية، وكإمكان دائم لإعادة ابتكار الذات والعالم، عبر لغة لا تكف عن الانفلات من يقينها، والانفتاح على المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى