
يحرص البنك الدولي في تقاريره عادة على اعتماد لغة تقنية هادئة، بعيدة عن الأحكام الصريحة أو التوصيفات الحادة. غير أن تقريره الأخير حول “النمو والوظائف من أجل مغرب مزدهر” يبعث، بين السطور، برسائل واضحة أقرب إلى دق ناقوس الخطر: اقتصاد يحقق نسب نمو، لكنه غير قادر على تحويلها إلى وظائف كافية، واقتصاد ما تزال سماته الريعية وضعف التنافسية تحد من ديناميته الحقيقية.
عجز مزمن في خلق فرص الشغل بوتيرة تتماشى مع تزايد السكان النشيطين
في عرضه العام، يعترف التقرير بأن المغرب نجح خلال العقود الماضية في بناء أسس اقتصاد حديث ومتنوع، مستفيدًا من الاستقرار السياسي وتدبير اقتصادي متماسك.
فقد توسعت البنيات التحتية، وبرزت قطاعات تصديرية جديدة، وتحسنت مستويات العيش نسبيا. غير أن هذه المكاسب، بحسب التقرير، لم تكن كافية لمعالجة الاختلالات البنيوية العميقة، وعلى رأسها العجز المزمن في خلق فرص الشغل بوتيرة تتماشى مع تزايد السكان النشيطين.
ويبرز الخلل بشكل أوضح في أرقام سوق الشغل، إذ سجّل المغرب، ما بين 2000 و2024، عجزًا سنويًا يقارب 215 ألف منصب شغل مقارنة بما يتطلبه استقرار التشغيل، قبل أن يتفاقم هذا العجز إلى نحو 370 ألف منصب سنويا خلال الفترة 2020-2024. ورغم عودة مؤشرات النمو إلى الارتفاع مؤخرا، فإن هذا الانتعاش لم ينعكس بعد على سوق العمل، ما يعكس ضعف قدرة النمو الاقتصادي على توليد فرص شغل.
تراكم رأس المال لا يُترجم بالضرورة إلى قيمة مضافة تشغيلية
ومن أبرز المفارقات التي يرصدها التقرير، أن حجم الاستثمار في المغرب مرتفع نسبيا، إذ يناهز 30% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى يضاهي دولا صاعدة.
ومع ذلك، لا يقابله تحسن مماثل في الإنتاجية أو في خلق الوظائف، ما يعني أن تراكم رأس المال لا يُترجم بالضرورة إلى قيمة مضافة تشغيلية، بل يظل محدود الأثر على دينامية الاقتصاد.
كما يسلط التقرير الضوء على دور الشركات العمومية، التي تستحوذ على حصة مهمة من التمويل والقطاعات الحيوية، مما يقيّد ولوج المقاولات الخاصة، خصوصًا الناشئة منها، إلى الموارد.
هذا الوضع يضعف المنافسة ويحد من بروز فاعلين جدد أكثر إنتاجية، ويكرس بنية اقتصادية تميل إلى التركّز والاحتكار.
كثرة عدد الشركات مقابل ضعف قدرتها على خلق فرص العمل
وفي سياق متصل، يسجل التقرير مفارقة أخرى تتمثل في كثرة عدد الشركات مقابل ضعف قدرتها على خلق فرص العمل.
فالغالبية الساحقة من المقاولات صغيرة جدا، وتشتغل في أنشطة غير قابلة للتصدير وبمستويات إنتاجية محدودة، كما أن جزءا مهما من التشغيل يتم خارج الإطار الرسمي، حتى داخل شركات مهيكلة.
هذا الواقع يجعل من النسيج الاقتصادي قاعدة واسعة، لكنها ضعيفة التأثير على التشغيل المنظم والنمو الإنتاجي.
ويشير التقرير أيضا إلى بطء نمو الشركات، وضعف اندماجها التكنولوجي، واستمرار العراقيل التنظيمية والضريبية التي تشجع على البقاء في حجم صغير لتفادي التكاليف، بدل التوسع وخلق وظائف مستقرة.
كما أن الشركات الكبرى، خلافًا لما هو معمول به في الاقتصادات المتقدمة، ليست بالضرورة أكثر إنتاجية، ما يعكس خللا في آليات السوق والمنافسة.
إشكالية البطالة لا ترتبط فقط بندرة الفرص
أما على مستوى العرض من العمل، فيؤكد التقرير أن إشكالية البطالة لا ترتبط فقط بندرة الفرص، بل أيضا بتراجع الإقبال على البحث عن العمل، خصوصا في صفوف الشباب والمتعلمين.
ويعزى ذلك إلى ضعف الأجور، وعدم ملاءمة الوظائف المتاحة مع التكوين، إضافة إلى انتشار العمل غير المهيكل.
كما أن التحويلات المالية من الخارج خففت الضغط الاجتماعي، لكنها في المقابل قللت من الإقبال على وظائف منخفضة الأجر.
تزايد ظاهرة عدم ملاءمة الشهادات مع الوظائف
ويزداد الوضع تعقيدًا مع تزايد ظاهرة عدم ملاءمة الشهادات مع الوظائف، حيث يشتغل عدد مهم من خريجي التعليم العالي في وظائف دون مستوى تأهيلهم.
كما ساهمت التقلبات المناخية، خاصة الجفاف، في فقدان واسع لفرص العمل في العالم القروي، ما عمّق الفجوة بين العرض والطلب في سوق الشغل.
وفي جانب آخر، يبرز التقرير ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، رغم تحسن مستويات تعليمهن، حيث تراجعت نسبة مشاركتهن بشكل ملحوظ، ما يجعل منهن أكبر طاقة بشرية غير مستغلة في الاقتصاد الوطني، في ظل استمرار العوائق القانونية والاجتماعية واللوجستية.
يدعو التقرير إلى حزمة إصلاحات مترابطة ترتكز على تعزيز المنافسة
وبناءً على هذا التشخيص، يدعو التقرير إلى حزمة إصلاحات مترابطة ترتكز على تعزيز المنافسة، وتحفيز دينامية المقاولات، وتحسين جودة الاستثمار العمومي، ورفع مشاركة القوى العاملة، خاصة النساء والشباب. كما يشدد على ضرورة تحقيق تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، وتخفيف القيود التي تعيق نمو الشركات، وإصلاح منظومة التشغيل والحماية الاجتماعية.
ويخلص التقرير إلى أن تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل منسق يمكن أن يرفع وتيرة النمو ويعزز خلق فرص الشغل بشكل ملموس خلال العقود المقبلة.
لكنه يحذر في المقابل من أن توسيع سوق العمل دون رفع الإنتاجية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا على مستوى الأجور، ما يؤكد أن الرهان الحقيقي يكمن في الجمع بين النمو والتنافسية والإنتاجية.
في المحصلة، يقدم التقرير صورة اقتصاد يملك مؤهلات واضحة، لكنه ما يزال حبيس اختلالات هيكلية تحد من قدرته على التحول إلى اقتصاد تنافسي مولد للثروة وفرص الشغل، وهو ما يفرض، بشكل ملح، الانتقال من منطق النمو الكمي إلى نموذج أكثر نجاعة قائم على الإنتاجية والابتكار.
اقرأ أيضا…
أقصبي: الريع والاحتكار ليسا صدفة بل نتيجة لزواج غير شرعي بين السلطة والمال





