الرئسيةسياسة

هل يدفع الوزير المغاربة للتخلي عن المدرسة العمومية؟

تحرير: جيهان مشكور

تتحول تصريحات وزير التربية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، كلما ظهر في لقاء حزبي، إلى مادة خام لصناعة الجدل أكثر مما تتحول إلى رؤية لإصلاح المنظومة التعليمية.. انطلقت آخر هذه الشرارات من ميسور، حين استعاد الوزير جزءا من سيرته الدراسية قائلا إن والده أرسله “لبلاد بعيدة” كي يدرس جيدا، مانحا بذلك عنوانا رمزيا لسياسة تعليمية يبدو أن “البُعد” أحد أركانها الأساسية: بعدٌ عن واقع المدرسة العمومية، وبعدٌ عن قدرة الأسر على تحمّل كلفة الهجرة اليومية بحثا عن “أستاذ جيد” أو “مدرسة رائدة”.

مدرسة عمومية على الهامش

في اللقاء ذاته، خاطب الوزير المواطنين بنبرة الناصح أكثر من نبرة المسؤول العمومي، حين قدّم وصفاً غير مباشر للمدرسة العمومية كفضاء فاقد للأمل، و دعا الأسر إلى “البحث عن المدرسة الجماعاتية التي تدرس جيداً”، وإلى تتبّع “الأستاذ الجيد” أينما كان..

الرسالة التي التقطها عدد كبير من المربين كانت واضحة: الوزير لا يرى في المدرسة العمومية، كما هي، قيمة تستحق الدفاع، بل مجرد محطة انتقالية على الأسر مغادرتها كلما سنحت الظروف.

وفي بلد تشير فيه التقارير رسمية إلى تدني نسب التعلم الأساسية وارتفاع معدلات الهدر المدرسي، يصبح هذا الخطاب اعترافاً قاسياً بفشل السياسات العمومية قبل أن يكون نصيحة تربوية.

عبء إضافي على أسر مرهقة

استشهد الوزير بسيدة من ضواحي الدار البيضاء قالت إنها تقطع يومياً مسافة طويلة لإيصال ابنتها إلى “مدرسة رائدة” ، و قدم القصة كدليل على “الإرادة”، لكنه تجاهل واقع ملايين الأسر التي لا تملك وسيلة نقل، ولا تقدر على تحمل تكاليف الساعات الإضافية ولا رسوم المدارس الخاصة، وكأن الوزير يطلب من الأسر تعويض غياب الدولة بأقدامها، وقطع المسافات نيابة عن ميزانيات لم تصل إلى البرامج المخصصة لها، وإصلاحات لم تُنجز، ومدارس لم تُجهّز.

هذه المقاربة تفتح الباب أمام سؤال أوسع: إن كان المغرب قد صرف خلال السنوات الماضية ميزانيات ضخمة على تعميم الولوج إلى المدرسة، فأين ذهبت جهود تعميم الجودة؟ ولماذا يُطلب من المواطنين أن يتحركوا بدل أن تتحرك المنظومة نفسها؟ ثم ما معنى “أستاذ جيد” في سياق يعرف خصاصا يقارب 30 ألف أستاذ سنويا وفق أرقام رسمية، ويعيش توترا مزمنا مع الشغيلة التعليمية منذ سنوات؟

جودة الأساتذة… أم فشل السياسات؟

عندما قال الوزير: “يمكن تقريب المدرسة من الدوار والجماعة لكن هل سيأتيك الأستاذ الجيد؟”، بدا وكأنه يحمّل الأستاذ وحده مسؤولية الجودة، متناسياً أن الدولة هي التي تتولى التكوين، والتحفيز، والتدبير، والتخطيط.
تصريح يحمل في طياته فكرة خطيرة تتمثل في كون “الجودة سلعة نادرة يجب على الأسر مطاردتها، لا حقاً تضمنه الدولة للجميع” . فبدل أن يكون الأستاذ الجيد موجوداً في كل مدرسة، يصبح هدفاً يحتاج سكان القرى والبوادي إلى “رحلة بحث” عنه.

احتقان في صفوف المدرسين… وردود غاضبة

لم يمر كلام الوزير مرور الكرام داخل الأوساط التربوية.. فقد تداول العشرات من الأساتذة تصريحاته باعتبارها “تبخيسا” لعملهم و”تحريضا ناعما” على التخلي عن المدرسة العمومية.. و حملت التعليقات غضبا مكتوما بشأن خطاب رسمي يتجاهل ظروف العمل، والاكتظاظ، والتقليص المتوالي في الموارد البشرية، ويحمّل المدرّسين مسؤولية أعطاب بنيوية تفوق قدرتهم الفردية.. وبالنسبة للكثيرين، لم يكن ما قاله الوزير مجرد رأي شخصي، بل انعكاساً لرؤية سياسية تعتبر المدرسة العمومية عبئاً أكثر منها مشروعاً وطنياً.

و فيما يدعو الوزير الأسر للهجرة التعليمية اليومية، فإنه لم يقدم في تصريحاته أرقاما عن خطته لرفع الجودة داخل المدارس القريبة، ولا عن الزمن المتوقع لتقليص الفوارق بين المؤسسات، ولا عن مضامين الإصلاح الذي يُفترض أن يقوده.

سؤال يفرض نفسه

في ظل هذه التصريحات، يصبح السؤال الحارق: هل يمكن لوزير على رأس القطاع أن يدافع عن مدرسة لا يؤمن بها؟ وهل المطلوب من الأسر أن تتحمل ما عجزت عنه السياسات العمومية لعقود؟

تصريحات الوزير لم تُسقط القناع عن واقع يعرفه الجميع فقط، بل صدمته على الطاولة بحدة، مؤكدة أن أزمة التعليم ليست في التلاميذ ولا الأساتذة، بل في خطاب رسمي يبدو أحياناً أقرب إلى التبرير منه إلى الإصلاح خطاب يبحث عن شماعة يعلق عليها فشله بدلاً من خط طريق للصعود من القاع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى