
الاستعمار ووباء التيفوئيد بالدار البيضاء
بقلم الباحث والمؤرخ: علال بنور
لا شك، أن مدينة الدار البيضاء، لا زالت في حاجة إلى النبش في تاريخها الاجتماعي، باستثناء الدراسات الأجنبية نموذج ما كتبه “اندري آدم” حولها.
ومن الجوانب التي أغفل فيها البحث، أو كان محتشما، الأوبئة والقبور والعادات والتقاليد، لا يتجاوز بعض المقالات المنشورة في الملاحق الثقافية للجرائد والمجلات المتخصصة، عكس أرشيف الصحافة الفرنسية بالمغرب إبان الحماية نجده غنيا بالأخبار والأحداث التي تفيد الباحث التاريخي اليوم، ومن هذه الموضوعات المسكوت عنها في تاريخ الدار البيضاء نشير إلى: المقابر ودور البغاء ووضعية النظافة في علاقتها ببيئة المدينة والأوبئة والمعتقلات السياسة …إلى غيرها من الموضوعات الاجتماعية التي سكت عنها المؤرخ المغربي. نحصر هذه الدراسة زمنيا ما بين بداية مشروع تشييد الميناء وقنبلة المدينة سنة 1907 إلى الثلاثينيات من القرن 20م.
هناك من الاخباريين من اعتبر أن مشروع بناء الميناء شر لا بد منه، وآخرون اعتبروه مدخلا للتحديث والحداثة، بفضله أصبحت المدينة محط استقطاب للجاليات الأوربية من الطبقة المتوسطة والبورجوازية، والهجرة الداخلية في أغلبها من البوادي. حماية للأوربيين، أقدمت سلطات الحماية على الاهتمام بالجانب الصحي، لإبعاد مخاطر الأمراض المعدية خوفا عليهم.

عرفت الدار البيضاء، كباقي مدن وبوادي المغرب، موجات متقطعة من الأوبئة منذ القرن التاسع عشر، يمكن حصرها كالتالي: الكوليرا والطاعون والتيفوئيد / التيفوس، فأغلبية الدراسات في موضوع الأوبئة في المغرب تحدده زمنيا بخطورته في القرنين 19م و20م، على شكل موجات دورية في ارتباطها بظاهرة الجفاف وآثاره على الانسان والحيوان والغطاء النباتي.
لماذا شكلت الدار البيضاء الاستثناء – مع السنوات الأولى للاستعمار- في الضرر من وباء التيفوئيد؟ هل لدور الميناء كورش كبير، الذي لعب منطلق تشييد مدينة عملاقية؟ هل لموقعها الجغرافي كنقطة تقاطع بينها وباقي جهات المغرب؟ هل لتعدد أوراشها من الميناء واشغال بناء المدينة الأوربية بطرقها ومرافقها التي تتطلب اليد العاملة؟ هل لتواجد مصانع التصبير والتعليب بالمدينة؟ هذه التحولات السوسيو اقتصادية استقطبت اليد العاملة المهاجرة، فارتفع عدد السكان من 30.000 خلال 1907 إلى حوالي 60.000 خلال العشرينيات من القرن 20م.1.
أحدث وباء التيفوئيد أزمة على المجتمع والاقتصاد، مما دفع بسلطات الحماية الفرنسية اتخاذ عدة إجراءات وقائية. هل هذه الإجراءات لحماية الجاليات الأوربية أم لحماية المغاربة معا من انتشار الوباء؟ ما هي أهم التدابير التي اتخذتها سلطات الحماية الفرنسية لحماية الدار البيضاء من انتشار الوباء؟ وما هو موقف السلطة الدينية بالمدينة؟
1/ عوامل ظهور وانتشار وباء التيفوئيد:
تؤكد العديد من المقالات الواردة في الجرائد الصادرة بالمغرب اثناء فترة الحماية الفرنسية وكذلك الاخباريون المغاربة، أن لمصدر الوباء عوامل داخلية، مرتبطة بالوضع البيئي للمدينة والهجرة البدوية، عكس ما ورد حول أوبئة القرن التاسع عشر، كان مصدرها خارجي من دول حوض البحر المتوسط أو من الشرق العربي مع فترات الحج.

كان لأمواج الهجرات البدوية نحو الدار البيضاء، عاملا في نقل وانتشار الوباء بالمدينة، كما أسلفنا سابقا، إن الهجرة شكلت جيشا احتياطيا من اليد العاملة بالأوراش الكبرى، التي فتحتها الحماية، من الميناء إلى شبكة الطرق والسكة الحديدية وبناء المدينة الأوربية بكل مرافقها الاجتماعية والتجارية.
إذن، هناك عاملين أساسيين لظهور وانتشار الوباء: هجرة سكان الأرياف المغاربة نحو المدينة وانتشار احياء الصفيح المنعدمة من الشروط الصحية، ثم انعدام بنية تحتية لقنوات الصرف الصحي والماء الشروب، الذي كان يسقى من العيون في حاويات تختلف سعتها ليباع في دور الصفيح.
هذه الوضعية، كانت متواجدة بالمدينة المسورة وبين احياء الصفيح المستوطنة بهوامش المدينة الأوربية، وهو المكان الذي سيتحول إلى المدينة الجديدة. إذن هذه الأمكنة شكلت بؤرا للوباء.
*ما هو الفرق بين التيفوئيد والتيفوس؟
نجد بعض المقالات والدراسات تستعمل هاذين الاصطلاحين، فتوصلنا، أن الفرق بينهما هو اختلاف انتقال العدوى إلى الانسان مع تشابه في المظاهر، فكلاهما من أصل بكثيري. فالتيفوئيد ينتقل إلى الانسان السليم عبر الأطعمة والمياه الملوثة، أما التيفوس ينتقل إلى الانسان السليم عبر حشرات لاذعة كالقمل والبرغوث والقراد (البق) وحشرة المستنقعات المائية (شنيولا).
ومن أعراض التيفوئيد والتيفوس الحمى المصاحبة بالعرق والعياء والصداع والغثيان وجفاف الحلق. ومع مرور الوقت يظهر على المصاب طفوح جلدية3.

عرف المغرب موجات جفاف من 1913 إلى 1939 م، هذه الفترة، كانت كافية لانتشار الوباء بالبوادي والمدن مع اختلاف حدته. فكانت سنتي 1913 و1914 سنة مأساة على سكان مدينة الدار البيضاء، انتشار المرضى والوفيات بالأزقة والشوارع.
فتكلفت المصالح البلدية للإقامة الفرنسية، بنقلهم عبر عربات الجر بالبغال أو عربات يدفعها الاصحاء من أقارب المصابين3.أدى (التيفوس) بحياة العديد من المغاربة والأوربيين من المصابين إلى الموت.
أما سنتي 1920 و1921، كانت هذه المرة ، السجون يؤرة مصدر للوباء، منها سجن سيدي علي مومن بمدينة سطات، تسربت منه الجرثومة إلى الاوراش الكبرى، حيت تجمع اليد العاملة، كورش الميناء وبنايات المدينة الأوربية، كما حصل التسرب إلى المدينة المسورة.
انتشر الوباء بين عمال المقالع وباقي الاوراش، كما نقل العمال الجرثومة إلى أسرهم وجيرانهم، بهذه الطريقة، بدأ انتشار الوباء .ومن العوامل التي ساهمت في الانتشار، انعدام النظافة ورطوبة السكن والاحتكاك بين السكان في الأسواق، كما كانت هناك صعوبة الالتزام بالتدابير الوقائية .
أما سنتي 1927 و1928 فهي الأخرى، عرفت جفافا عاما بكل مناطق المغرب فترتب عنه مجاعة، مما أدى إلى ارتفاع موجات الهجرة التي ساهمت في انتشار الوباء لموسمه الثالث. فلم تفلت الدار البيضاء من هذه العلة، وصل عدد الحالات المصابة إلى حوالي 1667 مصابا سنة 1927.
ين سنتي 1937 و1939 تعرض المغرب لموجة أخرى من الجفاف، قلت فيه المحاصيل وهلكت الماشية، فانتشر الوباء، الشيء الذي نتج عنه هجرة بدوية. حمل النازحون معهم جرثومة الوباء إلى الدار البيضاء، تاركين وراءهم بعض جثت أسرهم. وصل عددهم إلى 2952 نازحا حاملين معهم جرثومة الوباء إلى دور الصفيح مما ضخم من الوباء.

وهكذا، شكل الوباء عاملا في تحديد البنية الديموغرافية لساكنة الدار البيضاء، التي عرفت تراجعا، رغم استقبالها افواجا من المهاجرين الذين حصد منهم الوباء نسبة خطيرة. كما امتد الوباء إلى الجاليات الأوربية، رغم حرصهم على النظافة، فتسرب لهم الوباء من عاملات البيوت وعمال الاوراش وسائقي العربات وأسواق المواد الغذائية.
ومع ذلك، نجد أعداد المصابين والوفيات أقل بكثير مقارنة مع المغاربة واليهود ما بين سنتي 1937 و1939، حيت توفي في هذه المدة الزمنية فقط 28 أوربيا. ومن عوامل نجاة الأوربيين من الموت، ترجع إلى اهتمامهم بالنظافة وطرق العيش الجيد واخذ الحذر من الاحتكاك بالمغاربة المصابين بالعلة.
وفي نفس الإطار، وفرت سلطات الحماية مكتبا يشرف على مراقبة الصحة، كما هيأت البلدية مستشفيات وأماكن الحجر الصحي لاستقبال المصابين والموتى تجنبا لانتشار الوباء.
لا زالت بنايات المشافي حاضرة إلى اليوم. منها مشفى بالقرب من ضريح علال القيرواني بالمدينة المسورة، ومع توسع المدينة الأوربية، ظهرت مراكز صحية جديدة، خارج السور مثل: مشفى العنق ومشفى عين الشق ومشفى كان بالساحة الإدارية بالقرب من حديقة الجنرال ليوطي.
ومشفى باسم المستشفى المدني للدار البيضاء الذي سيعرف فيما بعد بمستشفى 20 غشت. ومن الملاحظ أن الأوربيين كانوا يصرحون للمراكز الصحية بإصابتهم بالوباء، على عكس المغاربة، كان بعضهم يخفي اصابته تجنبا للنظرة الدونية من أقاربهم.
ترقبوا
الحلقة الثانية: التدابير والإجراءات الوقائية التي اتخذتها سلطات الحماية






