
أعاد تصريح الناشط النقابي الحسين اليماني الجدل حول اختيارات جماعة المحمدية في ما يتعلق بالتشجير وتدبير المجال الأخضر، بعد الاختلاف الذي برز بين مستشاري فيدرالية اليسار الديمقراطي ورئيس الجماعة بشأن جدوى الاستمرار في زراعة النخيل بدل التوجه نحو أصناف توفِر الظل وتحافِظ على الموارد المائية وتنسجم مع متطلبات التهيئة الحضرية الحديثة..
هذا النقاش، الذي يبدو تقنيا في ظاهره، يتحول في عمق طرح اليماني إلى سؤال عن انسجام القرارات المحلية مع حاجيات السكان وواقع المدينة كما يراه المواطنون يوميا.
بين رؤية المستشارين وتبريرات الرئيس
يستند مستشارو فيدرالية اليسار الديمقراطي في مطلبهم إلى مقاربة بيئية عملية تدعو إلى استبدال النخيل بأشجار وافرة الظل أكثر قدرة على تحسين المشهد الحضري ومكافحة التعرية وترشيد استهلاك الماء، غير أن رئيس جماعة المحمدية رفض الطلب، معتبرا النخيل جزءا من الهوية الرمزية للمدينة ولا يمكن التخلي عنه.. و بالنسبة للحسين اليماني، يبدو هذا التبرير غير مدعّم بالمعطيات الكافية ولا يعكس الممارسات الفعلية على أرض الواقع، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى اتساق هذا الخطاب مع ما يجري فعليا داخل المدينة.
واقع ميداني يناقض الخطاب الرسمي
يشير اليماني إلى أن أول ما يكشف هشاشة خطاب “هوية النخيل” هو ما حدث في الحديقة المركزية للمدينة، التي كانت تضم مئات الأشجار من هذا الصنف، قبل أن يتم اقتلاعها لتعويضها بمشاريع عقارية عمودية تجاوزت ستة طوابق، في وقت لم يكن يسمح فيه سابقا بأكثر من ثلاثة.. هذه الواقعة، التي بقيت راسخة في ذاكرة السكان، تتعارض مع فكرة الحرص على رمزية النخيل، خصوصا أن الملك الراحل الحسن الثاني، سبق أن انتصر للمحافظة على هذه الأشجار خلال فترة احتفالات عيد الشباب، وهو ما يزيد من حدة المفارقة.
تهيئة الشوارع… النخيل الغائب الحاضر
يرصد اليماني أيضا أن أوراش تهيئة الشوارع الكبرى الجارية استعدادا لاحتضان تظاهرات رياضية إفريقية ودولية لم تتضمن أي عملية تشجير بالنخيل.. فقد تم، خلافا لخطاب الرئيس، اعتماد تشكيلة من الأشجار المتنوعة التي تمنح الظل وتستجيب لمطالب الساكنة والمستشارين على حد سواء، و هذا الاختيار الفعلي على مستوى الميدان يضعف مجددا حجة “الهوية” ويطرح سؤالا حول من يتخذ القرارات داخل هذه الأوراش، وما إذا كانت الجماعة فعلا هي صاحبة التصور المعتمد.
تهديدات إضافية لما تبقى من نخيل المدينة
يشير اليماني كذلك إلى أن بعض مشاريع الأشغال العمومية لم تكتف بعدم غرس نخيل جديد، بل ساهمت في محاصرة الأشجار القائمة داخل فضاءات ضيقة بين الإسفلت والأرصفة، وهو ما يهدد سلامتها واستمراريتها الطبيعية.. هذا الوضع، بحسبه، يجعل ما تبقى من هوية النخيل مهددة بفعل اختيارات هندسية غير مدروسة تتجاهل حاجيات الأشجار للتمدد الجذري والتهوية والتربة المناسبة.
أسئلة مفتوحة حول القرار المحلي
انطلاقا من هذه الوقائع، يطرح اليماني تساؤلات جوهرية حول مدى معرفة الرئيس بما يجري فعليا على مستوى التشجير والتهيئة، وهل يعكس جوابه موقفا مبنيا على معطيات دقيقة أم مجرد موقف سياسي لا يستند إلى رؤية واضحة؟ كما يثير احتمال أن تكون التهيئة الحالية تسير خارج إشراف الجماعة أو بعيدا عن تصورها، وهو ما قد يشكل إشكالا بنيويا في إدارة المدينة وتدبير شؤونها.
رؤية جديدة أم استمرار للغموض؟
يقدم تصريح الحسين اليماني قراءة نقدية لسياسة التشجير في المحمدية، تستند إلى وقائع ومساحات ملاحظة مباشرة، وتفتح الباب أمام إعادة تقييم الخيارات الحضرية المتخذة..
فبين خطاب الهوية وواقع الأشغال، تبقى المدينة في حاجة إلى رؤية واضحة ومتكاملة، تجعل من البيئة والانسجام العمراني ركيزتين أساسيتين في التخطيط، وتضع مطالب الساكنة وتطلعاتها في صلب عملية اتخاذ القرار.




