
العوفي يقرأ أبو العزم: ثلاثية الثقافة والسياسة والأخلاق في السيرة
بقلم الباحث الاقتصادي والكاتب: نورالدين العوفي
الكتاب (بعيدًا عن الضريح. سيرة ذاتية، نشر الفنك، 2024) للأستاذ عبد الغني أبو العزم هو، في الأصل، نصٌّ لحوار شامل أجراه معه الصحافي رشيد عفيف والأستاذة فتيحة قذاف، وسبق أن نشر على أعمدة جريدة “المساء”.
ثلاث مفردات تختزل العنوان العريض لفصول الكتاب، ولسيرة المؤلف: السياسة والثقافة والأخلاق.
ثلاثية سيميائية تشكل منظومة واحدة، متكاملة، لا انفصام فيها. هي الخيط الناظم، من الألف إلى الياء، لأجوبة الكاتب على الأسئلة التي تترادف فيها الأزمنة، وتتشابك فيها الأمكنة، وتتعدد فيها التيمات لتشكل، في المجموع، سردية مطردة، باذخة، ناجعة، ونافعة للقارئ.
ما يرشح أيضا من الكتاب هو أن للرجل مسارات متعددة، مختلفة، لكنها ليست متنافرة، ولا متضاربة، بل متجانسة، ومتناغمة، يحكمها إيقاع واحد، متموج، لكنه صاعد، تغذيه التجربة الغنية والمتشعبة، وتدعمه المراجعة اليقظة والمستمرة.
الثقافة أساس الوعي: من طفولة الكفاف إلى امتلاك المعرفة
في البدء كانت الثقافة. طفولة يطبعها «الكفاف»، و «المعرفة»، والحضور الوارف للأم: «كانت والدتي هي «دينامو» الأسرة.
وكانت علاقتي بها وطيدة ومنفتحة، ولم تكن تبخل علي بأي شيء.
ومن جانبي أيضاً، كنت أعينها في كثير من الأشغال المنزلية، بل إنني تعلمت منها تلك الحرف التي كانت تمارسها، كالطرز والخياطة، ولذلك كنت كثيراً ما أتنّدر إذا سألني أحدهم عن مهنتي، فأجيب «سبع صنايع والرزق ضايع»،

فقد زاولت الكثير من المهن، بنوع من الارتياح. ولم أكن أشعر أنني مدفوع إليها» (ص 11). هذا «القرب النوعي»، منذ نعومة الأظفار، هو ما سوف يكون له الأثر العميق في تشكيل الوعي المبكر لدى أبو العزم بأوضاع المرأة، وفي تكييف مواقفه السياسية باعتبار الحقوق الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية المرفوعة من طرف الحركة النسائية التقدمية ببلادنا.
المدرسة والمدرس: بناء الإدراك بين التقليدي والعصري
تكوين مزدوج ومتين، تقليدي وعصري، ديني وأدبي، يسهر عليه أساتذة أكفاء من بينهم الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال، صاحب «معجم المعاجم». يقول الكاتب: “فعلى سبيل المثال أخذتُ اهتمامي بالمعجم من أستاذي أحمد الشرقاوي إقبال، ولكن ينبغي الإشارة هنا إلى عدم إنكار بعض التأثر ولو في حدود نسبية فيما يتعلق بالثقافة والسياسة” (ص 22).
من هنا، من المدرسة والمدرس، جاء الإدراك بجدلية الثقافي والسياسي. عبدالغني أبو العزم يجترح العمل السياسي من الوجه الثقافي، ويتلمس الفعل الثقافي بالبعد السياسي، نلحظ ذلك في مواقفه السياسية، والحقوقية، كما نلحظ ذلك من خلال أعماله وأبحاثه، حتى الأكاديمية منها.

وفي الكتاب أمثلة متعددة عن هذين الوجهين ل «العملة» الواحدة التي عنوانها «الالتزام الفكري»، ومنها ما يسرده عن تجربته في اتحاد كتاب المغرب (ص 123 وما بعدها)، وفي الصفحات التي يتحدث فيها عن الإبداع (ص 235)، عن المرأة (ص 239)، وعن قضايا أخرى مختلفة.
في طلب المعرفة، عبدالغني أبو العزم لا يتوقف عند حدود، ولا تصُدُّه صعاب. كلما سنحت الفرصة، يجمع «حقيبته ومتاعه»، ويضرب في الأرض. من مدرسة سيدي شيكر الابتدائية التي عُيِّن فيها كمدرس، إلى كلية الآداب بجامعة محمد الخامس في الرباط التي التحق بها طالباً، تغمره فرحة غامرة، وهو يدخل من بابها ويخرج «مزهوّاً سعيداً» بما حققه، «متأبطاً ديوان أنشودة المطر لبدر شاكر السياب».

الوعي الثوري والديمقراطي: التجربة الجامعية في فاس
ومن الرباط إلى فاس، حيث سوف يزاوج، بصفة عضوية، بين الدراسة بكلية الآداب، والنضال السياسي، ويتحمل، بشكل تلقائي، عدة مسؤوليات ثقيلة، حزبية، ونقابية داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
في الجامعة بفاس، سوف يعيش «ميلاد الفكر اليساري» (ص 41)، الذي يشكل حلقة مفصلية من “السيرة” يجد فيها القارئ المهتم بالموضوع «أشياء» يكشف عنها أبو العزم لأول مرة عن «البقع النضالية» بفاس، عن انتفاضة 23 مارس (1965)، وعن الاعتقال، والاختفاء القسري.
لقد سبق لعبد الغني أبو العزم أن كتب سردية حول طفولته في كتابه “الضريح” المنشور سنة 1994؛ كما أن في “الضريح الآخر” الذي نشر سنة 1996، والذي حصل به على جائزة الكتاب الكبرى، فصول تتعلق بمرحلة ما قبل الجامعة.
في هذا الكتاب الأخير استئنافٌ، واستكمالٌ. من مراكش إلى باريس مروراً بالرباط وفاس، فصولٌ أخرى من السيرة الذاتية منسوجة بعيداً عن الضريح، قريباً من الضريح. في الفصل الذي يحمل عنوان «مراكش التي في دمي تضاهي باريس التي في قلبي» كلمات باذخة في عشق المدينتين (ص 33-39).
سيرة ممتدة بين المدن: من مراكش إلى باريس
إلى باريس حمل أبو العزم «متاعه» معه، السياسة، والأخلاق، والمعرفة. «الوعي الثوري» لن يزيد إلا وضوحاً، ورسوخاً بظهير «الوعي الديمقراطي».
لخيار الثورة أسباب موضوعية: «يجب ألا ننسى أن مرحلة السبعينيات مثلت أسوأ أيامها، وأوسخ أساليبها، وأرذل سنواتها، نتيجة ما اشتمل عليها من درجة حرارية عالية جداً من قمع بلا حدود، وما اشتمل عليها من عنف ومحاكمات في غياب القانون والحقوق، وفي الوقت الذي كان بالإمكان أن تشكل انطلاقة على أسس ديمقراطية، ما بين النظام والقوى الوطنية والديمقراطية، بما فيها المعارضة، لكن مع الأسف الآلية الثانية مُكرّسة لتتبّع النموذج، وحفز الأوراش الاستراتيجية ودعم إدارة التغيير. انعدام أفقها ما بين الطرفين معاً” (ص 106).

الواقعية السياسية تجترح أساليب أخرى هي التي يجنح إليها أبو العزم: «كنت أؤمن بحركة جماهيرية يقودها الحزب، دون سلاح أو عنف أو إشعال حرائق، يتعلق الأمر بحركة شعبية، تناضل من أجل الخبز، مثلما حدث في عدة تجارب» (ص 81).
القومية والإنسانية: فلسطين والعروبة في تجربة الكاتب

الوعي القومي موغل في سيرة عبد الغني أبو العزم، لم يضطرب يوماً، ولم تلِن حِدَّته بالرغم من كل «المراجعات» التي عرفتها القضية القومية عموماً، والقضية الفلسطينية خصوصاً.
بين بيروت، دمشق، وعمان كان يتحرك، باحثاً في تاريخ فلسطين عن مدخلات استشرافية لحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية.
نفس المقاربة المعرفية/الأخلاقية/السياسية ينهجها في مرافعته عن اللغة العربية التي اشتف لها عصارة جهوده البحثية ليضع لها معجماً غنياً، زاهراً، متميزاً.
ينتهي الكتاب ببوح، لا يخلو من شجن، عن المرأة في حياة الكاتب، عسى أن يشكل «الحلقة الرقيقة» من هذه السيرة الذاتية، والذهنية الممتعة، والمفيدة.






