
في خضم الاحتقان الاجتماعي الذي عرفته عدة مدن مغربية منذ أواخر سنة 2025، خرج آلاف الشباب إلى الشارع ضمن ما بات يعرف بحراك “جيل زد”، رافعين شعارات تطالب بالحق في الصحة والتعليم والكرامة، ومنددين بتفشي الفساد وتردي الأوضاع الاجتماعية.
اختارت السلطات مواجهة هذه الاحتجاجات بحملة اعتقالات واسعة ومحاكمات مثيرة للجدل
وبينما اعتبر المحتجون أن تحركاتهم تعبير مشروع عن غضب جيل يشعر بالتهميش وانسداد الأفق، اختارت السلطات مواجهة هذه الاحتجاجات بحملة اعتقالات واسعة ومحاكمات مثيرة للجدل، وفق ما تؤكده هيئات حقوقية وعائلات المعتقلين.
وفي هذا السياق، كشفت اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك “جيل زد” أن عدداً كبيراً من القاصرين ما يزالون يقبعون داخل السجون، أغلبهم في إطار الاعتقال الاحتياطي، معتبرة أن ذلك يشكل خرقاً واضحاً لمبدأ قرينة البراءة ولحقوق الطفل التي تكفلها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
الحراك الشبابي لم يكن سوى صرخة اجتماعية
وأوضحت اللجنة، في بيان لها، أن الحراك الشبابي لم يكن سوى صرخة اجتماعية للمطالبة بحقوق أساسية، غير أن السلطات واجهته – بحسب تعبيرها – بالقمع العنيف والتوقيفات العشوائية التي شملت مواطنين من الشارع العام ومن داخل منازلهم، في محاولة لبث الخوف وكسر زخم الاحتجاجات.
وسجل البيان أن الحملة الأمنية المرتبطة بالحراك أسفرت عن توقيف نحو 5780 شخصاً، تمت متابعة 2480 منهم قضائياً، بينهم 1473 في حالة اعتقال، موزعين على حوالي 28 مدينة مغربية.
وأعربت اللجنة عن قلقها من استمرار ما وصفته بـ”المحاكمات غير العادلة” في حق نشطاء الحراك، بمن فيهم مئات الأطفال، مشيرة إلى أن العديد منهم خضعوا للاستنطاق في ظروف تحوم حولها الشبهات، وسط تساؤلات بشأن مدى احترام الضمانات القانونية وحقوق الموقوفين، خاصة حقهم في متابعة الدراسة.
مجموع الأحكام الصادرة في حق 33 شاباً بأكادير بلغ 260 سنة
كما انتقدت ما “أحكاماً قاسية”، موضحة أن مجموع الأحكام الصادرة في حق 33 شاباً بأكادير بلغ 260 سنة سجناً، فيما صدرت بمراكش أحكام تجاوزت 69 سنة سجناً نافذاً في حق 16 متهماً، إلى جانب ملفات مماثلة في مدن أخرى مثل وجدة والرباط والدار البيضاء وطنجة.
وتوقفت اللجنة عند ما وصفته باختلالات خطيرة في سير المحاكمات، من بينها غياب حالات التلبس في أغلب الملفات، وعدم وجود محاضر معاينة مستقلة، فضلاً عن التأجيلات المتكررة، خصوصاً في قضايا القاصرين، حيث امتدت بعض الجلسات من أكتوبر الماضي إلى يونيو المقبل، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكاً لقرينة البراءة وتعذيباً نفسياً للمعتقلين وعائلاتهم.
وفي جانب آخر، أدانت اللجنة ما قالت إنها “انتهاكات جسيمة” تعرض لها المعتقلون، خاصة القاصرون منهم، من ضرب وإهانات ومعاملة مهينة بهدف انتزاع اعترافات قسرية، وفق شهادات أسرهم، إضافة إلى اتهامات بتضليل أولياء الأمور ودفعهم إلى توقيع محاضر مقابل وعود بالإفراج عن أبنائهم.
مطالبات بالإفراج الفوري عن القاصرين المعتقلين
كما طالبت بالإفراج الفوري عن القاصرين المعتقلين، مشيرة إلى ما يعانونه داخل السجون من حرمان من الدراسة، وتدهور نفسي وصحي، وطول مدة الاعتقال، إلى جانب المعاناة النفسية والمادية التي تتحملها أسرهم.
وتطرقت اللجنة أيضاً إلى الوضع الصحي للمعتقل محمد خليف، القابع بسجن “عكاشة” بالدار البيضاء والمحكوم بثلاث سنوات سجناً نافذاً، مؤكدة أنه يعاني أمراضاً مزمنة ومضاعفات خطيرة على مستوى العينين تهدد بفقدانه البصر، في ظل ما وصفته بـ”الإهمال الطبي”، مطالبة بتمكينه من العلاج والرعاية اللازمة.
وفي ملف آخر، جددت اللجنة مطالبتها بفتح تحقيق مستقل في مقتل ثلاثة شبان بمدينة القليعة برصاص الدرك الملكي خلال الاحتجاجات، مؤكدة أن من بين الضحايا شاباً خريج معهد للسينما كان يوثق الأحداث بكاميرته لحظة إصابته.
استنكار استمرار المتابعات المرتبطة بحرية التعبير الرقمي
كما استنكرت استمرار المتابعات المرتبطة بحرية التعبير الرقمي، معتبرة أن عدداً من شباب الحراك يتعرضون للملاحقة بسبب تدوينات وآراء نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي، في ما وصفته بتضييق متصاعد على حرية الرأي والتعبير.
وختمت اللجنة بيانها بالدعوة إلى إطلاق سراح جميع معتقلي حراك “جيل زد” وباقي المعتقلين السياسيين، معبرة عن أسفها لما اعتبرته ضعفاً في التغطية الإعلامية لمعاناة الأطفال المعتقلين والمحاكمات الجارية، وداعية الصحافة والقوى الحقوقية والديمقراطية إلى تكثيف الضغط والتعبئة من أجل وقف الانتهاكات والاستجابة للمطالب الاجتماعية التي خرج من أجلها الشباب إلى الشارع.





