
رحل صديقنا الغالي حسن اللحية، فغاب معه واحد من أولئك الذين يعبرون حياتنا في صمت، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا لا تمحوه الأيام. رجال لا يطلبون الضوء، ولا يتزاحمون على المنصات، غير أن حضورهم يظل ثابتا، راسخا، مثل قيمة أخلاقية نادرة.
كان قبل كل شيء ضميرا يقظا
لم يكن حسن، في نظر المفكر سعيد ناشيد صاحب هذا النعي، مجرد إطار من أطر علوم التربية، ولا ناقدا عابرا لمنظومة تعليم أنهكها العبث وسوء التدبير، بل كان قبل كل شيء ضميرا يقظا؛ ينحاز للحقيقة حين يكون الانحياز مكلفا، ويختار الوقوف إلى جانب المظلوم دون انتظار تصفيق أو مكافأة.
وأضاف ناشيد، قائلا: في واحدة من أقسى محطات حياته، حين طُرد سعيد ناشيد من الوظيفة العمومية، وقبل أن يقول القضاء كلمته، كان حسن حاضرًا عن معرفة دقيقة بكل الحيثيات، حاضرا بالفعل لا بمجرد التعليق، وبالشجاعة لا بمجرد رفع الشعارات.
وتابع، لقد خاض الراحل، من أجله معركة صامتة ضد لوبيات نافذة ورهيبة، وضد أقلام حاولت النيل من الكرامة قبل أن تطّلع على الحقيقة. كان يتواصل معهم واحدا واحدًا، ويسألهم بهدوء الواثق:
هل اطلعتم على ملف سعيد ناشيد؟
ثم يعرض أن يضع الملف كاملا بين أيديهم، إيمانًا منه بأن الحقيقة لا تخشى النور.
وقبل أن يسجّل حلقاته التضامنية، فعل ما لا يفعله كثيرون: اتصل برؤساء سابقين لا يزالون على قيد الحياة، واحدًا واحدًا، لا بحثًا عن شهادات جاهزة، بل حرصًا على الإمساك بخيوط الظلم بنفسه، والتأكد أن ما يدافع عنه ليس صداقة عمياء، بل عدلا مستحقا.
وتابع ناشيد، لقد كان حسن مناضلا صادقا، بلا لافتات، بلا ضجيج، وبلا أي استثمار شعبوي. يعمل في العمق، ويترك للأثر أن يقول كلمته بدلًا عنه.
قال سعيد ناشيد، إنه التقى مرارًا، وجمعتهما مودة هادئة وعميقة. وحده إيقاع حسن الهادئ، الذي يحتمل الجلوس الطويل والتأمل الصبور، كان أصعب ما يُجارى، لكن ذلك لم يمنع من مجاراته في تقدير صدقه ونبل روحه.
اليوم، وهو يودّعه، يدرك سعيد ناشيد أن بعض البشر يرحلون ليتركوا فينا امتحان الوفاء الهادئ والعميق.
ليختم، لروحك الرحمة يا حسن،
ولتكن لك سكينة أوسع من تعب هذا العالم العابر،
ولذكراك كل الامتنان.





