الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

السينما الفلسطينية: من عدسة “الآخر” إلى معركة الصورة والذات

"فلسطين 36": كيف ننجو من طوفان الصور لنستعيد أصالة الحكاية؟

م

بقلم الكاتب والناقد السينمائي: محمد بكريم

لطالما كانت السينما الفلسطينية، ولفترة طويلة، شأناً يتولاه “الآخرون”؛ حيث جرت مقاربة الموضوع الفلسطيني في البداية من خلال وجهة نظر خارجية.

فقد قام سينمائيون من دول مختلفة بتصوير أعمال تتمحور حول القضية، خاصة وأن انطلاق الثورة الفلسطينية بمعناها الحديث قد أثار حماساً واهتماماً واسعاً لدى الكثير من المخرجين والفنانين العالميين.

بروز الفدائي: بطل السينما العربية الجديد

إن بروز شخصية “الفدائي” في ميدان النضال الفلسطيني ألهم سريعاً كتاب السيناريو في المنطقة وخارجها، ومنح السينما العربية بطلاً جديداً. وقد تم تناول الموضوع بكل الأشكال التي يطرحها سوق السينما، وتعددت الأنواع بين الوثائقي والتخييلي، أو حتى بين السينما التجارية والسينما النخبوية (سينما المؤلف) الراديكالية.

من الأمثلة البارزة على هذا الاهتمام العالمي، نجد المخرج الفرنسي جان-لوك غودار وفيلمه الوثائقي الذي أنجزه مع آن ماري ميفيل بعنوان “هنا وهناك” (1974) ولا يفوتنا استحضار الموقف التاريخي للممثلة البريطانية الكبيرة فانيسا ريدغريف وخطابها الشهير عام 1978 ضد ما أسمته “العصابات الصهيونية”.

سينما الجوار: رؤى روائية خالدة

كذلك تبنت السينما الروائية/التخييلية في الشرق الأوسط هذا الموضوع؛ ونستذكر هنا اللبناني غاري غرابيديان، الذي وافته المنية في حريق اندلع أثناء تصوير فيلمه الشهير “كلنا فدائيون”.

(وأنا تلميذ بمدينة فاس بثانوية مولاي ادريس كان يثيرني ملصق الفيلم الضخم على شاكلة أفلام رامبو بقاعة سينما بوجلود المتخصصة آنذاك في السينما المصرية).

على جانب هذا التوجه المتهافت، ثمة فيلمان طبعا المرحلة الأولى من حضور فلسطين في السينما عبر “نظرة الآخر”: “المخدوعون” لتوفيق صالح (سوريا، 1972) و”كفر قاسم” لبرهان علوية (سوريا، 1974). فيلم “المخدوعون” هو اقتباس ناجح وبليغ عن رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”، يُصور مأساة الفلسطينيين الباحثين عن “إلدورادو” الخليج، لينتهي بهم المطاف جثثاً هامدة داخل صهريج تحت شمس لافحة. أما فيلم برهان علوية، فقد مثّل محطة فارقة بأسلوبه الرصين في توثيق مجزرة عام 1956، وهو العمل الذي حظي بتقدير كبير في المغرب، وعُرض على التلفزة المغربية ضمن البرنامج الشهير الذي قدمه الراحل نور الدين الصايل.

صناعة الصورة الذاتية: الرعيل الأول وما بعده

سرعان ما أدرك الفلسطينيون أن عليهم تولي مسؤولية إنتاج صورتهم بأنفسهم. فكان لزاماً على المقاومة المسلحة أن ترافقها “معركة الصورة”. منذ نهاية الستينيات، تأسست أقسام السينما داخل الفصائل الفلسطينية (الجبة الديموقراطية، حركة فتح…)، وبرز مخرجون ضحوا بحياتهم من أجل هذا الالتزام، مثل هاني جوهرية (وكنت قد أسستُ عام 1983 في الدار البيضاء نادياً سينمائياً يحمل اسمه) ومصطفى أبو علي.

تلك التضحيات مهدت الطريق لأجيال لاحقة أثرت الرؤية الفلسطينية بأسماء وصلت إلى العالمية: من إيليا سليمان بجماليته الساخرة في “كان”، إلى هاني أبو أسعد في “الأوسكار”، دون نسيان الرواد مثل ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، ونجوى نجار، ومحمد بكري.

تحدي التضخم الرقمي: ما وراء “الكليشيه” الإعلامي

اليوم، انتقلنا من “غياب الصورة” إلى “تضخم الصور”. القضية الفلسطينية الآن “فرط- مُعولمة” إعلامياً. وكما ذكرت لي مخرجة فلسطينية التقيت معها في مهرجان الفيلم القصير أوبرهاوزن بألمانيا: “نحن البلد الذي يضم أكبر كثافة من الكاميرات في المتر المربع الواحد!”.

ومع انتشار الهواتف الذكية والكاميرات الدقيقة، أصبح التحدي الحقيقي أمام الجيل الجديد هو: كيف نصنع سينما تتجاوز التدفق السمعي البصري اليومي؟ وكيف نقدم رؤية فنية تتمايز عن لغة القنوات الإخبارية مثل “الجزيرة”؟

إن المعركة اليوم ليست في التقاط الصورة فحسب، بل في صياغة لغة سينمائية تليق بعمق المأساة وتستحضر رؤى الإنسان الفلسطيني، بعيداً عن القوالب الجاهزة.

آن ماري جاسر: سينما الذاكرة والأرض

في سياق هذا التطور، تبرز المخرجة آن ماري جاسر كواحدة من أهم الأصوات السينمائية المعاصرة التي نجحت في الموازنة بين البعد الإنساني الحميم والقضية السياسية الكبرى. جاسر، التي كانت أول مخرجة فلسطينية تشارك بفيلم طويل في مهرجان “كان”، تواصل في أعمالها التنقيب في الذاكرة الفلسطينية ليس كحنين للماضي فحسب، بل كأداة للمقاومة ومساءلة الحاضر.

“فلسطين 36”: استعادة الرواية التاريخية لمساءلة الحاضر

يشكل هذا الفيلم (شاهدته في مراكش حيث قُدم كحدث أمسية الاختتام وإن كان في نظري يستحق برمجة في توقيت آخر) نقلة نوعية في مسار المخرجة حيث شكل نوع من المفاجأة الجمالية ألخصها في إنتقال المخرجة من الحميمي الشعري إلى الملحمي الفرجوي المستفيد من دعم كبير ومتنوع المصادر (إمكانيات مادية، كاستينج عالمي، حملة ترويجية ضخمة…).

إننا أمام محطة جوهرية في هذا المسار. في هذا العمل، تغوص جاسر في أرشيف الثورة الفلسطينية الكبرى لعام 1936، وهي اللحظة التي سبقت النكبة وشكلت ملامح المقاومة الأولى. تعود آن ماري جاسر إلى التاريخ ليس هروبا من الحاضر بل بحثا عن الحقيقة الكامنة في ثنايا التاريخ وخاصة في فصوله المنسية. أو ربما نوع من الاحتجاج على الحاضر الذي يحضر إعلاميا وكأن مأساة اليوم بدون ذاكرة.

الفيلم ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو محاولة لملء الفراغات في السردية الفلسطينية التي تعرضت للمحو. المعرفة التاريخية تسمح بمقاربة عارفة تفصل بين الأسطوري والواقعي. الربط الزمني: ربط نضال الأجداد في الثلاثينيات بواقع الشباب الفلسطيني اليوم، مما يمنح القضية استمرارية تاريخية تتجاوز لحظة 1948.

من خلال هذا الفيلم، تطرح جاسر تحدياً جمالياً وفكرياً. بل وسينمائيا أساسا حول إشكالية اختيار البناء الفرجوي في مقاربة تراجيديا تاريخية. وكذلك سؤال استنطاق الأرشيف: كيف يمكن للسينما أن تعيد الحياة لصور صامتة ومهمشة؟

مواجهة “كليشيه” الصورة الإخبارية

بهذا العمل وأعمال بعض سينمائيين آخرين (من فلسطينيي الداخل) تجيب آن ماري جاسر عملياً على التساؤل الذي طرحناه سابقاً حول التمايز عن لغة “الجزيرة” والقنوات الإخبارية. سينما بديلة لا تكتفي بنقل الحدث، بل تخترق جدار “التضخم الرقمي” لتقدم صورة مشغولة بعناية، تبحث عن الجمال في قلب الحصار، وعن الهوية في تفاصيل العلاقة بين الأرض والإنسان.

يمثل أسلوب آن ماري جاسر اضافة “مجتهدة” في السينما الفلسطينية، حيث تنتقل من “الخطاب المباشر” إلى “جماليات التفاصيل”. في فيلمها “فلسطين 36” مثلا تبرز قدرتها على تحويل الأرشيف الصامت إلى مادة سينمائية حية تنبض بالحركة.

تعتمد آن ماري جاسر لغة بصرية ترفض الاكتفاء بالرصد الوثائقي الجاف، بل تمنح الصورة “روحاً” من خلال مونتاج إيقاعي يربط بين التاريخي والسينمائي.

يتجلى هذا بوضوح في مشهد الافتتاح لفيلم “فلسطين 36″، حيث تستخدم جاسر تقنيات إخراجية مدروسة بعناية.

وهو مشهد يستدعي التوقف لحمولته الدرامية والجمالية. ما يثير الانتباه هو البناء الثنائي لتطور الحكاية في نوع من الجدلية مما يدفعني الى طرح فرضية أننا أمام فيلم “ماركسي” البناء.

قراءة هذه المرحلة التاريخية الفلسطينية ربما مؤسس فكريا على قاعدة مقاربات المفكر الكبير والأديب الملتزم غسان كنفاني (له مساهمة مكتوبة حول هذه المرحلة).

يُفتح الفيلم بشكل كلاسيكي بوصول البطل(عمر) إلى المدينة. وهو الشخصية التي ستشكل بؤرة النظر. ولا بد هنا أن أتوقف لحظة عند مشهد دخول القطار إلى المحطة مع حمواته المزدوجة: احالة إلى تاريخ السينما (فيلم الاخوان لوميير حول وصوا اقطار إلى محطة لاسيوطاط)، وحمولة رمزية التي يشير اليها الدخان الكثيف الذي تنفثه القاطرة وكأن المشهد يحيل نوع من الاغتصاب /التلوث الذي سيتعرض له فضاء سيفقد براءته الأصلية.

الثنائيات الجدلية تبدأ من “الصور التاريخية” للمدينة: حداثة في مواجهة ما قبل الحداثة (سيارات مقابل دواب، لباس عصري مقابل لبس تقليدي..). ,اول كلام نسمعه في الفيلم يطرح السؤال الفلسطيني التاريخي، سؤال الهوية حيث يواجه يوسف عند مدخل المدينة بسِؤال من جندي بريطاني حول هويته.

التناقضات التي تشكل وقود التطور الدرامي تنتقل من ثناية الفضاء (القرية/المدينة)، الركيب ما بين الوطني والاجتماعي (دور الرائد للطبقة العاملة)، الانتقال التدريجي من الاحتلال (البريطاني) إلى الاستيطان (الصهيوني).

وسيتغدى هذا التركيب الدرامي بشبكة من الشخصيات (دور الصحافية خلود كشخصية وسيط للمخرجة) تعكس تعقيدات مجتمع تعرض لتطور معاق. ولمكن الفيلم لا يعيد انتاج هذا السكون بل يعتمد الحركة داخل الكادر.

تركز جاسر على “الحركة” كرمز للاستمرارية. فبينما كان الأرشيف التقليدي يعرض الصور كوثائق جامدة، تقوم جاسر باختيار لقطات فيها حركة دؤوبة (سير، ركض، فلاحة الأرض) لتوحي بأن “الروح الفلسطينية” كانت دائماً في حالة فعل وتغيير، ولم تكن يوماً ساكنة أو مستسلمة

يبدأ الفيلم بلقطات أرشيفية من عام 1936، لكن جاسر لا تتركها صامتة أو تكتفي بموسيقى تصويرية تقليدية. بدلاً من ذلك، تعيد بناء “المحيط الصوتي” للمشهد؛ فنسمع صهيل الخيول، وقع الأقدام، وهتافات المتظاهرين البعيدة. هذا الأسلوب يجعل المشاهد يشعر أن تلك الصور ليست “ماضياً ميتاً”، بل هي لحظة حاضرة تُعاش الآن، مما يكسر المسافة بين المتلقي والحدث التاريخي.

وفي انسجام تام مع جمالية الفيلم التاريخي، تبدأ جاسر المشهد غالباً بلقطات واسعة تُظهر زخم الثورة وحركة الجموع، لتعطي الانطباع بقوة الحراك الشعبي في الثلاثينيات. لكن سرعان ما تنتقل عين الكاميرا (عبر المونتاج) لتركز على “تفصيله” إنسانية صغيرة: وجه فلاح، أو يد تقبض على حجر، أو نظرة عين طفل. هذا الانتقال يعكس فلسفتها الإخراجية: الثورة ليست مجرد تواريخ وأرقام، بل هي قصص أفراد ومشاعر.

السينما كفعل “احياء” للذاكرة

من خلال هذا الافتتاح، تضعنا آن ماري جاسر أمام سينما “الترميم”. هي لا تعرض الأرشيف كما هو، بل “تخرجه” من جديد. هذا الأسلوب هو ردها الفني على “تضخم الصور” المعاصر؛ فبدل الكاميرا التي تنقل الحدث لثوانٍ وتنساه، تقدم جاسر كاميرا تتأمل في الجذور وتجبر المشاهد على التفكير في أصل الحكاية.

بهذا، يبتعد فيلم “فلسطين 36” عن لغة الأخبار السريعة، ليصبح عملاً فنيّاً يستعيد الحق في “الرواية الأولى”، ويؤكد أن السينما الفلسطينية اليوم، وبقيادة أسماء مثل جاسر، لم تعد تكتفي بطلب التعاطف، بل تفرض اعترافاً تاريخياً وجمالياً كاملاً. هل الحضور في اللائحة القصيرة لجوائز الاوسكار مؤشر في هذا الاتجاه…

خاتمة: نحو سينما فلسطينية متحررة من “المرئي” العابر

إن رحلة السينما الفلسطينية، من عدسة الآخر الساعي لتوثيق “قضية”، وصولاً إلى عدسة آن ماري جاسر التي تعيد بناء “الهوية” من خلال الأرشيف، تعكس تحولاً جذرياً في الوعي الفني. ففي فيلم “فلسطين 36″، لم يعد الأرشيف مجرد أوراق قديمة أو لقطات باهتة، بل صار وطناً يُعاد بناؤه بالكاميرا، وذاكرةً تُرمّم لتواجه محاولات المحو والنسيان.

لقد استطاع الجيل الجديد من السينمائيين الفلسطينيين أن يتجاوز فخ “التضخم الرقمي” الذي يختزل فلسطين في لقطة إخبارية عابرة أو مشهد عنيف مكرر. إن التحدي الذي رفعه هذا الجيل هو تحويل “فائض الصور” إلى “عمق الرؤية”؛ فبينما تكتفي الكاميرا الإخبارية (على غرار لغة الجزيرة) بنقل الخبر، تذهب السينما إلى ما وراء الحدث لتستنطق الصمت في وجوه الأجداد وتستعيد إيقاع الحياة في تفاصيل الأرض.

في نهاية المطاف، تظل السينما الفلسطينية اليوم هي “الفدائي الجديد”، لكن سلاحها هذه المرة هو الانحياز إلى الجمال – بتعبيرات متنوعة- وتوخي الدقة التاريخية. إنها سينما لا تكتفي بكونها شاهدة على المأساة، بل تطمح لأن تكون صانعة للأمل، ومستردةً للرواية التي حاول الكثيرون طمسها.

ومن خلال أعمال كفيلم “فلسطين 36″، ندرك أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في ساحات النضال، بل في قدرة الفلسطيني على امتلاك “صورته” الخاصة، وفرض حضورها الإنساني والجمالي على شاشات العالم، بعيداً عن كليشيهات الضحية، وفي قلب حقيقة الوجود.

اقرأ أيضا….

ترحيب “غير مسبوق” بفيلم “فلسطين 36” في مهرجان تورونتو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى