
° تحرير: بثينة المكودي
بعد أزيد من خمسة عشر عاماً من الإقامة القسرية، تم مؤخراً إفراغ مركز الإيواء المؤقت بمدرسة الزيراوي، الذي احتضن عشرات الأسر المنحدرة من المدينة القديمة، في واحدة من أطول تجارب “الإيواء المؤقت” التي تحولت مع الزمن إلى إقامة شبه دائمة، قبل أن تنتهي فجأة بقرار الإفراغ.
هذه الأسر، التي وجدت نفسها قبل سنوات مضطرة لمغادرة منازلها الأصلية بسبب تصنيفها ضمن الدور الآيلة للسقوط، استقرت داخل فضاءات مدرسية كان يفترض أن تشكل حلاً مرحلياً قصير الأمد، غير أن طول أمد الانتظار جعل العديد منها يعتقد، مع مرور السنوات، أن هذا المكان أصبح موطناً فعلياً، لا مجرد محطة عابرة.
من الإيواء المؤقت إلى واقع دائم
منذ نقلهم إلى مدرسة الزيراوي، عاشت الأسر المعنية أوضاعاً اجتماعية ونفسية معقدة، في فضاء لم يُهيأ أصلاً للسكن، حيث تقاسمت العائلات الأقسام والساحات، وسط غياب شروط العيش الكريم، من خصوصية، وتجهيزات أساسية، وخدمات اجتماعية مستقرة. ومع مرور الوقت، نشأت أجيال كاملة داخل هذا المركز، أطفال وُلدوا وكبروا وهم لا يعرفون عنواناً آخر غير “المدرسة”.
وبحسب شهادات متطابقة لعدد من الأسر، فإن وعود إعادة الإيواء أو التعويض ظلت معلقة لسنوات، دون آجال واضحة، ما عمّق الإحساس بالإقصاء والتهميش، ورسخ شعوراً بأن ملف المدينة القديمة يُدار بمنطق الترقيع لا بمنطق الحلول الجذرية.
قرار الإفراغ… مفاجئ ومربك
قرار إفراغ مركز الزيراوي، وإن كان يدخل ضمن مسار استرجاع المؤسسات التعليمية لوظيفتها الأصلية، إلا أنه أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول مصير الأسر التي ظلت عالقة بين الهدم والإيواء، دون أفق واضح. فعدد من المعنيين وجدوا أنفسهم مجدداً أمام المجهول، بين البحث عن كراء مؤقت، أو العودة إلى منازل مهددة، أو انتظار حلول لم تتضح معالمها بعد.
ويعتبر متابعون للشأن المحلي أن الإشكال لا يكمن فقط في قرار الإفراغ، بل في غياب رؤية شمولية تُنهي معاناة ساكنة المدينة القديمة، عبر تسريع برامج إعادة الإسكان، وضمان مواكبة اجتماعية حقيقية، بدل ترك الأسر رهينة قرارات ظرفية.
المدينة القديمة… ملف مفتوح على القلق
يعيد هذا التطور تسليط الضوء على وضعية المدينة القديمة، التي تعيش منذ سنوات على إيقاع الهدم، والترحيل، والإيواء المؤقت، في ظل بطء واضح في تنزيل الحلول النهائية. فبين الحفاظ على السلامة الجسدية للسكان، وصون كرامتهم وحقهم في السكن اللائق، يظل التوازن هشاً، ما دام منطق “المؤقت الدائم” هو السائد.
وفي انتظار توضيحات رسمية حول البدائل المقترحة للأسر التي تم إفراغها من مدرسة الزيراوي، يبقى السؤال هل يشكل هذا الإفراغ بداية حل حقيقي، أم مجرد فصل جديد في مسلسل طويل من الانتظار؟





