
° تحرير: جيهان مشكور
عاد الذهب ليتصدر واجهة الأسواق العالمية كأحد أكثر الأصول إثارة للانتباه والجدل، في سياق مالي مضطرب تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع الهواجس الجيوسياسية.. فخلال سنة 2025، حقق المعدن الأصفر قفزة لافتة بلغت 63%، رافعًا حصيلته التراكمية إلى نحو 184% منذ نهاية 2019، وهو ما يعكس تحولا عميقًا في سلوك المستثمرين تجاه الأصول الآمنة،
ولم يتوقف هذا الزخم مع بداية العام الجديد، إذ واصل الذهب تألقه في يناير 2026 بارتفاع إضافي قدره 6%، ليغلق عقد يناير في بورصة نيويورك التجارية عند مستوى 4,588.40 دولار للأونصة في 16 يناير، وهو رقم يعكس ثقة متنامية في الذهب كملاذ في زمن الشكوك.
محركات الطلب العالمي: حين تتلاقى البنوك والمستثمرون الأفراد
يقف وراء هذه الطفرة السعرية تضافر مجموعة من العوامل البنيوية والظرفية، في مقدمتها التحول الواضح في استراتيجيات البنوك المركزية، خصوصًا في آسيا، التي كثفت مشترياتها من الذهب تحوطًا من تراجع قيمة العملات الورقية وتنامي المخاطر المرتبطة بالديون السيادية، وفي الوقت ذاته، يشهد الطلب الاستهلاكي في كل من الصين والهند انتعاشًا قويًا، مدفوعًا بعوامل ثقافية واقتصادية تجعل الذهب مخزنًا تقليديًا للقيمة في فترات عدم اليقين.
ولا يقل أهمية عن ذلك دخول صناديق التحوط والمستثمرين الأفراد بقوة على خط الشراء، خاصة بعد تسهيل الوصول إلى الذهب عبر قنوات غير تقليدية، مثل منافذ البيع الكبرى في الولايات المتحدة، وعلى رأسها Costco، ما وسّع قاعدة المستثمرين ورفع من حدة الطلب، في ظاهرة تعكس “دمقرطة” الاستثمار في المعدن النفيس.
تحذيرات من ذاكرة الأسواق: هل يعيد التاريخ نفسه؟
ورغم الأجواء المتفائلة، لا يخلو المشهد من أصوات تحذيرية صادرة عن خبراء مخضرمين عايشوا دورات السوق منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث يستحضر هؤلاء تجربة عام 1980، حين بلغ الذهب مستوى 850 دولارًا للأونصة وسط توقعات متفائلة بوصوله إلى 1,000 دولار، قبل أن يتعرض لانهيار حاد بنسبة 60%، متراجعًا إلى حدود 350 دولارًا بحلول عام 1985، ولم يستعد تلك المستويات إلا بعد قرابة ثلاثة عقود، في عام 2008.
ويشير محللون إلى أن سيناريو مشابه قد يتكرر إذا ما توافرت محفزات صادمة، مثل لجوء بورصات السلع إلى رفع هوامش الضمان بشكل مفاجئ، أو إقدام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على تشديد نقدي حاد ورفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة لكبح التضخم.. قد تحدث مثل هذه الإجراءات ضغطًا عنيفًا على المضاربين المعتمدين على التمويل بالاقتراض، ما قد يطلق موجة تصحيح قوية في الأسعار.
آفاق 2026 وما بعدها: بين تفاؤل وول ستريت ورهانات بعيدة المدى
على الرغم من هذه التحذيرات، لا تزال مؤسسات وول ستريت ترسم صورة متفائلة لمسار الذهب خلال 2026، مع متوسط سعر مستهدف يقارب 5,180 دولارًا للأونصة بنهاية العام.. وتذهب بعض التقديرات إلى أبعد من ذلك، كما هو الحال مع مؤسسة “يارديني ريسيرش” ، التي ترى إمكانية صعود الذهب إلى مستوى 6,000 دولار خلال السنة الجارية، بل وترجّح سيناريو أكثر جرأة بوصوله إلى 10,000 دولار بحلول عام 2030، و تستند هذه الرهانات إلى عوامل هيكلية طويلة الأمد، في مقدمتها العجز الحكومي الضخم في الاقتصادات الكبرى، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وتآكل الثقة في النظام النقدي العالمي.
وبين نشوة الأرقام القياسية وقلق الدروس التاريخية، يبقى الذهب في قلب معادلة معقدة، تعكس صراعًا دائمًا بين الطموح والمخاطرة في عالم المال.





