
الشوفينية طريق مسدود…وإفريقيا أفقنا…
بقلم: أحمد دابا
ما أعقب نهائي كأس أمم إفريقيا بين المغرب والسنغال لم يكن مجرد جدل رياضي أو غضب عابر، بل كشف، بحدة غير مسبوقة، قابلية خطيرة لانزلاق جزء من الخطاب العمومي نحو العنصرية والشوفينية.
دعوات صريحة إلى طرد مهاجرين أفارقة من دول جنوب الصحراء
نحن الان أمام، دعوات صريحة إلى طرد مهاجرين أفارقة من دول جنوب الصحراء، يقابلها تحريض على استهداف مغاربة السنغال وممتلكاتهم، وكأن مباراة كرة قدم تبرر تعليق القيم، وتعطيل الذاكرة، وشرعنة الكراهية. نحن هنا أمام أزمة وعي، لا أمام انفعال لحظي.
إن الخطير في هذا الانزلاق ليس فقط ما يقوله، بل ما يُخفيه: استعداد مقلق لاختزال علاقات شعوب كاملة في تسعين دقيقة من اللعب، وتجاهل تاريخ طويل من التعايش والتبادل والمصير المشترك.
إن علاقة المغرب بالسنغال، وبإفريقيا عموما، لم تُصنع في الملاعب ولا تُدار بمنطق الثأر، بل نسجتها قرون من التواصل الإنساني، والتجارة، والطرق الصوفية، والهجرات المتبادلة، والمقاومات المشتركة.
فمن فاس إلى تمبكتو، ومن سجلماسة إلى سان لويس، تشكلت ذاكرة مشتركة لم تكن يوما حكرا على الدول، أو لها علاقة بكرة القدم، بل صنعتها الشعوب قبل الخرائط والحدود.
الشوفينية الوطنية لا تُنتج وعيا وطنيا
هنا بالضبط تتكشف خطورة الشوفينية الوطنية. فهي لا تُنتج وعيا وطنيا، بل تُعميه وتقتله، لأنها تقوم على الإقصاء لا على الانتماء، وعلى الغريزة لا على القيم.
إن الشوفينية نقيض المواطنة الحقة، وعدوها المباشر. فالمواطنة ليست شعارا يُستدعى عند الانتصار ويُرمى عند الهزيمة، بل علاقة شعورية وقانونية عميقة بين الفرد والدولة، علاقة كاملة لا تقبل النقصان ولا التجزئة، تتجاوز منطق الحقوق والواجبات الضيق على أهميتهما، بل هي انتماء واعي وممارسة فاعلة في بناء الوطن.
المواطنة الحقيقية تقوم على أسس لا تقبل المساومة: المساواة أمام القانون دون أي تمييز، المشاركة في الحياة العامة، تحمل المسؤولية الفردية والجماعية، احترام القانون، والاعتراف الصريح بالتنوع والاختلاف باعتبارهما مصدر قوة لا تهديد.
وهي، قبل كل شيء، وعي منفتح ينتسب إلى الأفق الإنساني والكوني، ويدرك أن الوطن لا يُبنى بالكراهية ولا بالخوف من الآخر، بل بالقدرة على العيش المشترك داخل عالم يفترض أن يكون بلا عنصرية ولا حروب ولا شوفينيات وطنية.
الشوفينيات الوطنية في كل لحظة من لحظاته عبر التاريخ كانت دائما شرارة الحروب وضيق الأفق
إن التاريخ الإنساني واضح ولا يحتاج إلى تأويل: الشوفينيات الوطنية، في كل لحظة من لحظاته، كانت دائما شرارة الحروب، ومقدمة الكوارث، وذريعة الإقصاء والعنف والتدمير الذاتي. لم تحمِ دولة، ولم تبنِ أمة، ولم تصن كرامة شعب. لذلك فإن الانزلاق إليها اليوم، مهما كانت الذرائع، رياضية أو سياسية أو عاطفية، ليس تعبيرا عن غيرة وطنية، بل علامة إفلاس في الوعي المواطنتي، وعجز عن فهم معنى الانتماء الحقيقي.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يسيء إلى “الآخر” فقط، بل يطعن في صورة المغرب نفسه، وفي اختياراته التاريخية، وفي عمقه الإفريقي الذي لم يكن يوماً تفصيلا جغرافيا أو ورقة ظرفية، بل رهانا استراتيجياً وإنسانيا.
المغرب ليس جزيرة معزولة والمنطقة المغاربية بدورها ليست خارج الفضاء الإفريقي
المغرب ليس جزيرة معزولة، والمنطقة المغاربية بدورها ليست خارج الفضاء الإفريقي. أي محاولة لفصلنا عن هذا الامتداد هي فعل بتر للذاكرة، قبل أن تكون خطأ سياسيا.
في السياسة كما في الرياضة، الانتصار الحقيقي لا يتحقق بالانفعال ولا بالانتقام، بل بالحكمة وضبط النفس والقدرة على التفكير في المستقبل.
إن المباراة تُنسى، أما خطاب الكراهية إذا تُرك دون مواجهة، فيتحول إلى بنية ذهنية وسلوك اجتماعي يصعب تفكيكه، من هنا، يصبح من واجب النخب والإعلام والمجتمع المدني مواجهة هذا الانحراف بوضوح وحدة، دون تبرير أو مواربة.
الخلاصة واضحة: الدفاع عن الوطن لا يكون بالشوفينية، بل بالمواطنة. لا يكون بإقصاء الآخرين، بل بتكريس وعي ناضج، واثق، منفتح على محيطه الإفريقي والإنساني. أما الشوفينية، مهما تلونت، فهي طريق مختصر نحو الخراب، وعدو صريح للوعي، وللمواطنة، وللمستقبل.





