
لم تكن الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت عددا من المناطق التونسية مجرد حادث طبيعي عابر، بل تحولت إلى مرآة قاسية تعكس هشاشة البنية الوقائية، وغياب الاستعداد المؤسساتي، وانكشاف الدولة أمام امتحان كان يفترض أن تتعامل معه بمنطق الاستباق لا بمنطق التدخل المتأخر.
حين تصبح الكوارث مناسبة لعد الضحايا بدل تقييم خطط الوقاية
فحين تصبح الكوارث مناسبة لعد الضحايا بدل تقييم خطط الوقاية، يتحول السؤال من “ماذا حدث؟” إلى “من المسؤول؟”.
و أسفرت الفيضانات التي ضربت عدة مناطق تونسية عن وفاة ستة أشخاص، أربعة منهم بمدينة المكنين في ولاية المنستير، إضافة إلى ضحية بولاية نابل، وبحار تم العثور على جثته صباح اليوم بجزيرة قوريا.
انها حصيلة ثقيلة لا يمكن اختزالها في “تقلبات جوية” فقط، بقدر ما تعكس تراكمات الإهمال، وتفكيك منظومات الدولة، وغياب سياسات وقائية جدية قادرة على حماية الناس قبل وقوع الكارثة.
إعلان إنقاذ 303 مواطنين وإجلاء 137 آخرين
وخلال ندوة صحفية عقدها الديوان الوطني للحماية المدنية، تم الإعلان عن إنقاذ 303 مواطنين وإجلاء 137 آخرين منذ بداية الاضطرابات المناخية. غير أن هذه الأرقام، بدل أن تُقرأ كإنجاز، تبدو مؤشرا على اتساع حجم الأزمة، لأن عمليات الإنقاذ حين تأتي بعد سقوط الضحايا تصبح أقرب إلى سباق مع الزمن، لا إلى دليل على جاهزية الدولة.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أين كانت الدولة قبل أن تجرف السيول الأرواح والمنازل؟ وأين اختفت وعود “الدولة القوية” التي قدمها الرئيس قيس سعيد منذ أن أحكم قبضته على السلطة؟
رئيس الجمهورية ظهر في مقطع رسمي يشتكي تدهور البنية التحتية
الأكثر إثارة للدهشة، أن رئيس الجمهورية ظهر في مقطع رسمي يشتكي تدهور البنية التحتية وضعف الاستعداد، وكأنه يصف واقعاً يخص دولة أخرى، لا دولة يحكمها بقرارات ومراسيم.
انه مشهد يختصر تناقضا صارخا: رئيس يشتكي من نتائج نظام هو من هندسه، بعد أن همش المؤسسات وأدار ظهره للخبراء ومنطق الحكامة والمساءلة.
وبين خطاب حماية الأرواح وواقع الجدران المتداعية وشبكات التصريف العاجزة، تتضح ملامح الحكم الفردي حين يُدار دون رقابة أو توازن: سلطة بلا محاسبة، وكوارث بلا مسؤولين.





