عادت صحيفة لوموند الفرنسية، في تغطية مطولة، للتوقف عند العرض الذي قدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما سماه “مجلس السلام”، مؤكدة أن الاجتماع الذي انعقد على هامش منتدى دافوس الاقتصادي تحول، في جوهره، إلى منصة لتسويق الرؤية الأمريكية بشأن قطاع غزة أكثر من كونه نقاشا دوليا حول السلام.
بتعليمات من الملك محمد السادس.. ناصر بوريطة يوقع بدافوس على الميثاق المؤسس لمجلس السلام
تركيبة الحضور عكست بوضوح الدائرة السياسية الأقرب إلى ترامب
وتشير لوموند إلى أن الجلسة، التي امتدت لأكثر من ساعة ونصف، هيمن عليها ترامب ومقربوه، فيما اقتصرت المداخلات الأخرى على لحظات عابرة، أبرزها مداخلة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي قُدم بصفته “الممثل الأعلى لغزة” داخل المجلس، ثم مداخلة عبر الاتصال عن بُعد لـعلي شعث، رئيس فريق التكنوقراط الفلسطينيين المعينين لإدارة القطاع بعد الحرب المدمّرة بين إسرائيل وحماس.
وبحسب لوموند، فإن تركيبة الحضور عكست بوضوح الدائرة السياسية الأقرب إلى ترامب، حيث برز الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، إلى جانب تمثيل أوروبي محدود شمل بلغاريا وكوسوفو. في المقابل، حضرت غالبية الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر والأردن والمغرب، إضافة إلى تركيا، فيما شارك أيضا رئيس وزراء باكستان والرئيس الإندونيسي، الذي سبق أن لمح إلى استعداد بلاده للمساهمة في قوة دولية محتملة في غزة، ضمن تصور لا يزال غامض المعالم.
مجلس جديد… ورسالة مبطنة للأمم المتحدة
وتلفت لوموند إلى أن ترامب افتتح الاجتماع بنبرة ساخرة، قائلاً: “أنا أعرفهم جميعا، إنهم أصدقائي”، قبل أن يمنح نفسه رئاسة المجلس، في مشهد أثار الضحك داخل القاعة.
وبدا الرئيس الأمريكي، وفق الصحيفة، وكأنه يدير عرضا احتفاليا، دعا خلاله الحضور إلى التصفيق لتوني بلير، ثم للرئيس البولندي كارول ناوروكي، رغم أن رئيس الحكومة البولندية دونالد توسك اختار النأي بنفسه عن هذه المبادرة.
في المقابل، تسجل لوموند غياب شخصيات وازنة، على رأسها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رغم وجوده في المنطقة لإجراء محادثات مع ترامب، إضافة إلى غياب فلاديمير بوتين المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، والديكتاتور البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الذي قبل الدعوة ولم يحضر.
وتؤكد الصحيفة أن ترامب شدد على أن مجلس السلام “مكمل لدور الأمم المتحدة”، غير أن هذا الخطاب لم يبدد الشكوك الدولية، خاصة في ظل عدائه المعلن للمنظمة الأممية.
وتنقل لوموند عن قادة أوروبيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحفظاتهم على الميثاق المؤسس للمجلس، كما نقلت عن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا قوله إن هناك “شكوكا جدية” بشأن نطاق عمل المجلس وحوكمته ومدى انسجامه مع ميثاق الأمم المتحدة.
كوشنر وغزة كـ“مشروع استثماري”
وبحسب لوموند، فإن اللحظة الأبرز في الاجتماع تمثلت في عرض جاريد كوشنر، صهر ترامب، للمشروع الوحيد المطروح حاليا داخل المجلس: الإشراف على “استقرار” قطاع غزة. وبعد مرور أكثر من مئة يوم على وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، قدم كوشنر لأول مرة تصورا تفصيليا لمستقبل القطاع.
وتلاحظ لوموند أن كوشنر تعامل مع غزة بعقلية رجل الأعمال، مقدما إياها كمجال لإعادة الإعمار والاستثمار، من دون أي توضيح لمصادر التمويل، التي وصفتها الصحيفة بأنها غامضة أو غير موجودة فعليا.
كما شددت على أن الخطة الأمريكية نزعت أي بعد سياسي عن القطاع، إذ جرى التعامل معه ككيان معزول، من دون حديث عن فلسطين أو عن حل الدولتين.
وتنقل الصحيفة عن كوشنر قوله إن سكان غزة عاشوا “عشرين عاما تحت حكم حماس”، داعيا إلى تغيير “عقليتهم”، في خطاب أثار انتقادات واسعة.
أما الجانب الإسرائيلي، فتشير لوموند إلى أنه غاب تقريبا عن النقاش، باستثناء الإشارة المتكررة إلى “الاعتبارات الأمنية”، رغم أن الخطة تفترض انسحابا تدريجيا إسرائيليا.
هدنة بلا ضمانات و”ريفييرا” على الورق
وتؤكد لوموند أن الإدارة الأمريكية لم تقدم أي تفاصيل واضحة بشأن كيفية الحفاظ على الهدنة الهشة، ولا عن مفاوضات سياسية مستقبلية مع حماس أو السلطة الفلسطينية.
بل إن كوشنر اعتبر أن إسرائيل “قامت بما عليها”، وأن المسؤولية باتت على عاتق حماس لتسليم سلاحها، وترك الحكم لهيئة من التكنوقراط، على أن تُنقل السلطة لاحقا إلى سلطة فلسطينية “مُصلحة”.
عودة للحديث عن “ريفييرا غزة”
وفي ختام العرض، تشير لوموند إلى تقديم تصور فني لما سماه ترامب سابقا “ريفييرا غزة”، عبر عرض بصري يتضمن فنادق ومجمعات سكنية ومشاريع سياحية على الواجهة البحرية، من دون أي التزام مالي حكومي واضح.
وكشفت الصحيفة، نقلا عن مصادرها، أن الإمارات أبدت استعدادا لتمويل قرية نموذجية أولى لنحو 20 ألف نسمة، يتم اختيارهم من غزة بعد عملية “فرز” أمني تشرف عليها إسرائيل.
وتختم لوموند بالإشارة إلى أن هذا الطرح الأمريكي يواجه خطة موازية تقودها مصر، بدعم عربي وأوروبي منذ 2025، تهدف إلى إعادة إعمار غزة ضمن مقاربة سياسية مختلفة، وُضعت أساسا للرد على ما تصفه الصحيفة بـ“الحلم الأمريكي” بتحويل القطاع إلى مشروع عقاري ضخم منزوع السياسة والهوية.