الرئسيةثقافة وفنونشواهد على التاريخ

وجع الذاكرة…رحلة ناج من سنوات الرصاص

° بقلم: أبو باز

تُعدّ  “رحلة عبر ليالي الرصاص شهادةً ذاتية قوية، موثَّقة وحسّاسة، تندرج ضمن الإطار الأوسع لأدب السجون والمقاومة في المغرب.

“رحلة” هنا استعمله الكاتب بمعناه المجازي

مصطلح “رحلة” هنا استعمله الكاتب بمعناه المجازي؛ إذ يتعلق الأمر بمسار امتدّ لما يقارب عشر سنوات (1974–1984) عبر عدة أماكن للاعتقال في المغرب، من بينها درب مولاي الشريف السيء الذكر والسجن المدني بالدار البيضاء، وسجن لعلو، ثم السجن المركزي بـالقنيطرة، وهي فضاءات طبعتها مظاهر القمع والتعسف التي ميّزت سنوات الرصاص، وذلك في إطار مقاربة سوسيو-تاريخية. وقد كتب المؤلف هذا الكتاب أيضاً بهدف نقل تجربة معيشة إلى الأجيال القادمة، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي أبداً.

مهزلة المحاكمة التي يتجاهل فيها القاضي القوانين

يروي سعودي فصول المعاناة من التعذيب، وظروف الاعتقال اللاإنسانية وغير القانونية (تعصيب الأعين، تكبيل الأيدي، منع الكلام والحركة لأشهر طويلة، الضرب…)، والحرمان، ومهزلة المحاكمة التي يتجاهل فيها القاضي القوانين، كما يبرز في المقابل أشكال المقاومة، مثل الإضرابات عن الطعام، ومظاهر التضامن، والإبداع، والحس الإنساني العالي الذي كان يتيح للمعتقل الحفاظ على كرامته خلف القضبان.

لم يخرج أحد من “الناجين” من هذه الرحلة الفريدة سالمًا… بل فقد خلالها عبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي ورحال الجبيهة حياتهم.

بعيدًا عن سرده الشخصي، يرسم الكتاب صورةً لتطور المجتمع البيضاوي بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويبرز التباين مع المرحلة التي تلت الإفراج عنه. إنه ذاكرة حيّة لمغرب يعيش توترًا بين الحداثة والاستبداد.

قدرة الإنسان على الصمود في قلب المعاناة

ويذكّر بثقل التاريخ وبضرورة الإسهام في بناء الذاكرة الجماعية من أجل تشييد المستقبل، كما يستحضر قدرة الإنسان على الصمود في قلب المعاناة.

كما يكشف عن قوة الروح والروابط الإنسانية التي تتشكل في خضم الشدائد وتتحدى أقصى الظروف.

يسعى المؤلف إلى المساهمة في ترسيخ هذه المرحلة المظلمة في الذاكرة الوطنية حتى لا تتكرر مرة أخرى. وليبرز أيضا أن نضال الجيل الذي ينتمي إليه ترك بصمة في التحولات التي شهدها المجتمع المغربي.ا

لقد كان الغوص مجددًا في هذا الماضي المظلم بالنسبة لسعودي محنةً وفرصةً في آن واحد:
“إن كتابة هذا السرد كانت بلا شك تمرينًا مؤلمًا… لكنها كانت أيضًا وسيلة للتخفيف من عبء ثقيل على الذاكرة… تحررًا ثانيًا… وميلادًا جديدًا.”

كما يشير إلى دور بعض الفاعلين الذين ساعدوا في هذه العملية، مثل فاطمة المرنيسي التي ساندته في بلورة هذا السرد المؤلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى