الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

أفلام الأوسكار: “اصطدام بسيط” لجعفر بناهي..سينما الحقيقة ام الحقيقة السينمائية

عشية حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، حيث يحضر الفيلم “كممثل” لفرنسا، وبعد فوزه بالسعفة الذهبية يطرح التساؤل: هل يمكن ان نقارب هذا العمل الجديد دون أخذ بعين الاعتبار البعد السياسي الذي أُقحم فيه الفيلم كجزء من الضغط العام (الاقتصادي، والعسكري حاليا) الممارس على إيران.

 

لنستحضر هذا المعطى ونحن نطمح الى قراءة الفيلم من وجهة نظر سينيفيلية، خاصة بعد مشاهدة جديدة (تم عرضه مؤخرا بأكادير ضمن انشط المعهد الفرنسي). قراءة أضع لها محورين:

–  سردية مقارنة بين فيلم جعفر بناهي “اصطدام بسيط” -2025- وفيلم “العذراء والموت” لرومان بولانسكي -1994- (كلاهما يستحضر ذاكرة الضحية في مواجهة جلاد مفترض)

–  مقاربة المعالجة السينمائية في سياق مفهوم مسرحة الإخراج السينمائي كعلامة معادة في أعمال بناهي

ثم نختم بسؤال الحقيقية (الحقيقة التاريخية) كاشتغال للذاكرة ام كنظام للحقيقة كما يحلل فوكو بمفهوم الذاكرة المضادة. نظام الحقيقة يخضع هنا لاشتغال المجاز السينمائي…استرجاع الماضي (حدث معين) كتمثل تتحكم فيه وتوجهه وجهة نظر. الماضي دائما كمجال لتنافس الذاكرات.

يتمحور فيلم بناهي حول مواجهة محتدمة في مكان مغلق (huis clos) بين ضحية سابقة وجلادها المفترض، الذي يتم التعرف عليه بعد سنوات من وقوع الجريمة. ويتم التعرف بالأذن قبل العين.

هذه الحبكة تعيد إلى الأذهان الفيلم الشهير “الموت والعذراء” للمخرج رومان بولانسكي، وقد ساعدني على هذا الربط السينيفيلي الأداء الرفيع الذي مازال عالق بذاكرتي للممثل العالمي بن كينجسلي في دور الطبيب الذي تتعرف عليه ضحيته عبر صوته ورائحته. الضحية التي “جسدتها” بعمق الممثلة الكبيرة سيكورني ويفر (حظيت ذات مرة بمصافحتها خلال حضورها بمراكش).

في كلا الفيلمين، يتم التعرف على الجلاد المفترض بالصدفة وفي علاقة بعطل السيارة وتتجلى وسيلة التعرف في اشتغال الحواس أكثر من الدليل المادي.

عند بولانسكي: يعتمد المشهد على “الذاكرة الحسية”. الشخصية التي أداها بن كينجسلي تُكشف ليس بالصورة، بل بنبرة الصوت، بطريقة ترتيبه للأشياء، وبكلمات معينة نطق بها أثناء التعذيب.

الضحية هنا (سيكورني ويفر) تعيد تمثيل الصدمة بناءً على ما سمعته وهي معصوبة العينين.

في “اصطدام بسيط” يذهب بناهي إلى منطقة أكثر واقعية وقسوة؛ «العلامة” هي تفصيل جسدي صغير عبارة عن الصوت الذي تحدثه حركة الرِجل المعطوبة أو لمسها (كما هو الشأن مع حميد).

المحاكمة تبدأ من “الشك” الذي يتحول إلى “يقين مدمر”. بناهي يركز على أن الجلاد في حياته العادية يبدو إنساناً “بسيطاً” وربما “لطيفاً”، بل اب عائلة محترم (مشهد الافتتاح).

يحضر التميز بين الفيلمين على مستوى الاختيارات الجمالية. ويبقى هنا بناهي وفيا لأسلوبه الذي الخصه في استيتيقا الفضاء المغلق. معالجة سينمائية سمتها “المسرحة”.

وأشير هنا إلى توظيف عربة “الفان” كخشبة مسرح. نماما كالسيارة في فيلمه “تاكسي طهران”، تدور أحداث جزء كبير من الفيلم داخل المساحة الضيقة لعربة (فان وحيد). الحيز الدرامي المغلق: لم يعد “الفان” مجرد وسيلة نقل، بل أصبح منصة مسرحية متحركة.

الشخصيات محصورة جسدياً، مما يضاعف التوتر النفسي بين “الجلاد” المفترض (إقبال) وضحاياه. وحدة المكان الرمزية: يفرض هذا الفضاء المحدود مواجهة لفظية خالصة، وهي سمة كلاسيكية في الدراما المسرحية، حيث يمر الفعل الدرامي عبر الكلمة، والاعتراف، والشك.

ما يميز “اصطدام بسيط” هو لجوء بناهي إلى “المسرحة داخل السينما”. أو ما اسميته ذات مرة المبزاونسين مقابل الإخراج. المسرحة كأداة للتعرية. الشخصيات لا تتصرف بطبيعية كاملة، بل هي “تمثل” أدواراً داخل اللعبة التي نصبها “وحيد”.

هذا النوع من “المسرح المصور” ينزع الصفة الواقعية عن الزمان ليركز على “الحقيقة المطلقة”. استدعاء الشهود المتلاحق يكسر الرتابة السينمائية ليخلق إيقاعاً مسرحياً متصاعداً، حيث يتحول كل شاهد إلى فصل جديد في محاكمة لا تعترف بالقوانين “الرسمية”، بل بقوانين الذاكرة والألم.

وعلى سبيل الختم أقول بان الفيلمين يستمدان راهنيتهما في مساءلة الذاكرة وتوظيف الإنتاج الرمزي ضد النسيان المؤسساتي.

وهنا لابد من عودة الى فوكو ومفهوم “الذاكرة المضادة”. النظام السياسي (الجلاد) يريد فرض “حقيقة رسمية” تقوم على النسيان أو العفو.

المواجهة في الفلمين هي محاولة من الضحية لفرض “ذاكرتها المضادة” وتحويلها إلى “حقيقة عامة” عبر فعل الاعتراف. الصراع ليس على “ماذا حدث؟” بل على “من يملك الرواية التي ستسجل في التاريخ؟”.

إن المواجهة بين الضحية والجلاد في هذين الفلمين ليست بحثاً جنائياً عن أدلة، بل هي ممارسة فوكوية بامتياز لطقس الاعتراف.

الضحية هنا لا تمارس دور القاضي فقط، بل دور ‘المدقق’ الذي يسعى لتحويل صمت الجلاد إلى خطاب. هذا الاعتراف، كما يراه فوكو، هو اللحظة التي تتقاطع فيها الذات مع القوة لإنتاج ما نسميه ‘الحقيقة’.”

“الصمت” الذي يلجئ اليه الجلاد في بعض لحظات الفيلمين هو نوع من المقاومة لـ “منظومة الحقيقة” التي تحاول الضحية فرضها؟ فوكو يرى أن الصمت هو أيضاً جزء من استراتيجية الخطاب.

في النهاية، غالباً ما تظل الحقيقة “هشة”. فوكو يقول إن الحقيقة ليست ثابتة، وفي الفلمين، تظل هناك فجوة؛ هل اعتراف الجلاد تحت التهديد هو “حقيقة” أم هو مجرد “خضوع لميزان قوى جديد”؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى