الرئسيةرأي/ كرونيك

حين تتحول الدولة إلى توقيع حزبي

بقلم: بثينة المكودي

حين يتحول الإنجاز من فعل عمومي إلى ملكية سياسية

في السياسة، لا يبدأ الخلل فقط حين تنجز الحكومة وتفتخر، بل حين تصادر الإنجازات العمومية وتعاد تسميتها كرصيد حزبي خاص، هنا بالضبط تتحول الدولة إلى خلفية، والمؤسسات إلى ديكور، والحكم إلى سردية دعائية، ليس لأن الإنجاز حدث فعلا، بل لأن من وقّعه قرر أن يملكه سياسيا.

«مسار الإنجازات»: من حصيلة حكومية إلى رواية حزبية

كتاب «مسار الإنجازات»، المنسوب إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، يذهب أبعد من عرض حصيلة حكومية، إنه يعيد نَسب إنجازات الدولة إلى الحزب، وكأن ما تحقق كان ثمرة تنظيم حزبي، لا نتيجة عمل مؤسساتي تموّله الميزانية العامة وتنفّذه إدارات عمومية يفترض أنها فوق الانتماءات، مع الإشارة هنا إلى أننا لا نتطرق إلى ما يشوب هذه الإنجازات من اختلالات.

الاستحواذ الرمزي على الفعل الحكومي

هنا لا نكون أمام ترويج سياسي عادي، بل أمام استحواذ رمزي على الفعل الحكومي، فحين تقدم برامج حكومية، وقرارات عمومية، ومشاريع ممولة من المال العام، باعتبارها “إنجازات حزب”، يصبح السؤال مشروعا حول من يملك حق التوقيع الرمزي على ما أُنجز باسم الجميع، حتى دون فتح قوس النقاش حول طبيعة هذه الإنجازات نفسها وما يعتريها من أعطاب.

النرجسية السياسية: حين يُمحى الفرق بين الحزب والدولة

النرجسية السياسية لا تقول “أنا فعلت”، بل تقول “نحن الحزب فعلنا”، ثم تسقِط “نحن الدولة” من المعادلة، في هذا المنطق، لا يعود الحكم مسؤولية مؤسسات، بل امتياز تنظيمي، ولا تعود الحكومة جهازا عموميا قابلا للمساءلة، بل واجهة تنفيذية لعلامة سياسية.

نرجسية عزيز أخنوش: سلوك لا يحتاج إلى تشخيص

وهنا تتجلى نرجسية عزيز أخنوش، وهي نرجسية لا تنتظر تشخيصا طبيا، لأنها تقاس بالسلوك والخطاب، تتجلى حين يُقدَّم العمل الحكومي كإنجاز حزبي خالص، وحين يُفهم النقد الموجَّه للسياسات العمومية كاستهداف للتنظيم، وحين تختلط المحاسبة الديمقراطية بالدفاع الحزبي، حتى قبل الدخول في نقاش جوهر السياسات ونتائجها.

محو الحدود بين القرار العمومي والدعاية الحزبية

الكتاب لا يناقش الحدود بين الحزب والحكومة، بل يمحوها، لا يميز بين ما هو قرار حكومي قابل للنقد، وما هو التزام مؤسساتي مستمر، بل يدمج الجميع في رواية واحدة تقول إن الحزب أنجز، والحزب وفّى، والحزب أصلح، مع تعليق ضمني مفاده أن أي نقاش خارج هذا الإطار هو تشويش غير مرغوب فيه.

المواطن خارج الرواية الرسمية

المشكلة أن المواطن لا يعيش هذه الرواية، فهو لا يتعامل مع الحزب حين يدفع الفاتورة، ولا مع التنظيم حين يواجه الغلاء، ولا مع المكتب السياسي حين تتآكل قدرته الشرائية، يتعامل مع دولة يفترض أنها محايدة، ومع حكومة يفترض أنها تحاسب، لا مع حزب يكتب تقريرا عن نفسه ويقدّمه كحقيقة نهائية، بغض النظر عما يشوب تلك الحقيقة من ثغرات.

حين يُعرَّف النجاح من فوق

في هذا السرد، يصبح المواطن مجرد شاهد صامت على نجاح يقال له إنه حاصل، حتى إن لم يشعر به، ومن لا يلمس الأثر، يتهم ضمنًا بعدم فهم “المسار” أو بعدم تقدير “الإنجازات”، وهكذا تُغلق دائرة النرجسية السياسية، حيث يُعرَّف النجاح من فوق، ويُحتكر التقييم، ويُؤجَّل النقاش.

امتلاك الحصيلة… واغتيال المساءلة

الأخطر في «مسار الإنجازات» ليس لغة الثقة، بل لغة الامتلاك، امتلاك الحصيلة، وامتلاك الرواية، وامتلاك حق تعريف النجاح، دون الحاجة إلى فتح قوس الاختلالات، وحين تنسب ما هو حكومي إلى حزب، لا تعود المساءلة ممكنة، لأن من يُحاسب حينها ليس جهازا عموميا، بل تنظيما سياسيا يدافع عن صورته قبل أي شيء آخر.

حين تكتب الأحزاب دفاتر الدولة

الخلاصة أن تحويل الإنجازات الحكومية إلى رصيد حزبي ليس دليلا على قوة الحزب، بل على هشاشة الفصل بين الدولة والتنظيم، وحين تبلغ نرجسية الحكم هذا المستوى، لا يعود الخطر في أن يكتب الحزب عن نفسه، بل في أن يعتقد أن ما أُنجز باسم الدولة يمكن أن يُسجل في دفاتره الخاصة، مع تأجيل النقاش الحقيقي إلى أجل غير مسمّى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى