اقتصادالرئسية

القنب الطبي بالمغرب: أرقام صاعدة وأسئلة مؤجلة

°تحرير: جيهان مشكور

يعكس تجاوز صادرات القنب الهندي المقنن والموجّه للاستعمالات الطبية والصناعية بالمغرب عتبة 260 مليون دولار خلال السنة الماضية تحوّلاً لافتاً في مسار قطاع ظل لعقود حبيس الاقتصاد غير المهيكل والمطاردة الأمنية، ويكشف هذا الرقم، الصادر عن معطيات رسمية، أن التقنين لم يكن مجرد قرار قانوني معزول، بل رافعة اقتصادية حقيقية بدأت تترجم نفسها في الأسواق الدولية، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على القنب الطبي الذي تقدّر بعض التقارير الدولية حجمه بأزيد من 40 مليار دولار سنوياً.. غير أن هذا الصعود، على أهميته، ما يزال محتشماً مقارنة بالإمكانات الزراعية والبشرية التي تزخر بها المناطق الشمالية للمملكة.

مزارع في حقل من القنب الهندي في منصورة بإقليم شفشاون على مسافة حوالى 300 كلم شمال الرباط في 18 يوليو 2024 © فاضل سنّة / ا ف ب

هل يفي التقنين بإنصاف اجتماعي طال انتظاره

يراهن الإطار القانوني الجديد على تحسين دخل ما بين 60 و90 ألف أسرة بالأقاليم المرخص لها، خصوصاً بالحسيمة وشفشاون وتاونات، وهي مناطق عانت طويلاً من الهشاشة والتهميش رغم كونها خزّاناً زراعياً أساسياً، ويكشف هذا الرهان عن بعد اجتماعي لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، إذ يُفترض أن يساهم إدماج المزارعين في الدورة القانونية في تحسين شروط عيشهم وتوفير استقرار مهني طال انتظاره.. غير أن واقع الحال يُظهر أن جزءاً من هؤلاء المزارعين ما يزال يتوجس من ضعف العائدات ومن بطء استفادتهم الفعلية من القيمة المضافة التي تحققها سلاسل التحويل والتصدير.

التنظيم الصارم كضمانة لكن لكن بأي كلفة

يؤكد بلوغ عدد المزارعين المرخص لهم أزيد من 2600 مزارع، بإنتاج يفوق 4000 طن، أن الدولة اختارت مساراً قائماً على الضبط الصارم والمراقبة الدقيقة من مرحلة البذور إلى غاية التحويل والتسويق، ويعكس هذا الحرص رغبة واضحة في تفادي الانزلاقات التي قد تعيد القطاع إلى دائرة الشبهة، غير أن هذه الصرامة التنظيمية، على ضرورتها، تطرح كلفة خفية يتحملها المزارع الصغير، سواء من حيث الالتزامات التقنية أو ضعف هامش التفاوض أمام شركات التحويل، ما يهدد بتحويله إلى مجرد حلقة ضعيفة داخل سلسلة ربح غير متكافئة.

أين تقف الإيرادات مقارنة بالسوق العالمية؟

يفضح اعتراف فاعلين في القطاع.. بأن المداخيل الحالية لا ترقى إلى حجم السوق العالمية فجوة بنيوية في النموذج المعتمد، فبينما تحقق بعض الدول الرائدة في هذا المجال مداخيل بمليارات الدولارات سنوياً، ما يزال المغرب في مرحلة التأسيس البطيء، محكوماً بإشكالات الحكامة وضعف تثمين المنتَج محلياً، ويطرح هذا الوضع أسئلة جوهرية حول استراتيجيات التصدير، التسويق الدولي، والقدرة التنافسية المغربية في مواجهة منتجين أقوياء.

مشروع واعد يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد

يستدعي الحديث عن إمكانية توسيع مناطق الزراعة مستقبلاً وقفة نقدية ضرورية، إذ إن التوسع الكمي دون معالجة الاختلالات الحالية قد يعمّق الفوارق بدل تقليصها، ويبرز هنا أن إنجاح هذا الورش الاقتصادي الواعد لا يمر فقط عبر رفع أرقام الصادرات، بل عبر تعزيز الحكامة، وضمان حقوق المزارعين، وتطوير صناعات تحويلية محلية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.. عندها فقط يمكن للقنب الهندي المقنن أن يتحول من مجرد “ذهب أخضر” محدود الأثر إلى رافعة تنموية متوازنة تعيد الاعتبار للإنسان قبل الأرقام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى