الرئسيةحول العالمشواهد على التاريخ

رحيل ليلى شهيد…سيرة وطنٍ في المنفى

برحيل ليلى شهيد، يخفت صوتٌ ظلّ لعقود يتردد في أروقة باريس وبروكسل، حاملاً فلسطين إلى المنابر الأوروبية ببلاغة الدبلوماسية وحرارة المنفى. رحلت عن 76 عاماً في منزلها جنوب فرنسا، تاركة خلفها سيرة امرأةٍ لم تكن مجرد ممثلة سياسية، بل وجهاً لقضية وصوتاً لذاكرة شعب.

أمها سيرين جمال الحسيني المنحدرة من عائلة الحسيني

وُلدت في 13 يوليو 1949 في بيروت، ابنةً للطبيب الجراح منيب شهيد، وأمها سيرين جمال الحسيني المنحدرة من عائلة الحسيني المقدسية العريقة. في بيتٍ يتقاطع فيه العلم بالتاريخ، والطب بالسياسة، تفتّحت عيناها على معنى الانتماء، وتشرّبت باكراً إحساس المنفى الذي سيلازم مسيرتها. درست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهناك انخرطت في العمل الاجتماعي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث صاغت تجربتها الأولى مع الألم اليومي لشعبها.

في باريس، تابعت دراستها العليا في الأنثروبولوجيا، وترأست عام 1976 اتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا، قبل أن تنخرط رسمياً في المسار الدبلوماسي. عام 1989 أصبحت أول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً لـ منظمة التحرير الفلسطينية في إيرلندا، ثم انتقلت إلى لاهاي ممثلةً للمنظمة في هولندا والدنمارك، ومديرةً لمكتبها الإعلامي. كانت تدرك أن الدبلوماسية ليست فقط فنّ التفاوض، بل أيضاً فنّ السرد؛ أن تروي حكاية شعب بلغة يفهمها العالم.

مفوضةً عامة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي

منذ 1993، صارت فلسطين في فرنسا تحمل اسمها وصوتها. اثنا عشر عاماً في باريس، نسجت خلالها شبكة علاقات سياسية وثقافية واسعة، قبل أن تُعيَّن عام 2006 مفوضةً عامة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل وبلجيكا ولوكسمبورغ حتى 2015. في تلك العواصم، لم تكن مجرد دبلوماسية بربطة عنق رسمية، بل امرأةً تجمع بين الصرامة والدفء، بين الحجة القانونية والحدس الإنساني.

في الوسط الثقافي العربي، كانت حاضرة بقدر حضورها السياسي. ربطتها صداقات وثيقة بمفكرين وأدباء كبار مثل إدوارد سعيد وإلياس خوري ومحمود درويش.

وحين أقام درويش في باريس عام 1995، كانت إلى جانبه، لا بصفتها الرسمية، بل كصديقة يقظة.

وفي عام 1998، أدركت بحسّها المتوارث من بيت الطب خطورة وضعه الصحي، وأصرّت على فحصه، ليُكتشف حاجته إلى عملية عاجلة أنقذت حياته.

تزوجت عام 1978 من الكاتب المغربي محمد برادة

تزوجت عام 1978 من الكاتب المغربي محمد برادة، واستقرّت في المغرب، لتضيف إلى هويتها الفلسطينية بعداً مغاربياً وثقافياً آخر. كانت امرأة تعبر الحدود كما تعبر اللغات، دون أن تفقد بوصلتها الأولى.

رحلت ليلى شهيد في صمت، في منزلها بفرنسا، في ظروف لم تتضح تفاصيلها. لكن حياتها لم تكن صامتة أبداً؛ كانت مسيرةً من الكلمات والمواقف، من الحضور الهادئ والعناد النبيل. برحيلها، لا تفقد فلسطين دبلوماسية مخضرمة فحسب، بل تفقد امرأةً جعلت من المنفى منصة، ومن الصوت جسراً، ومن السيرة مرآةً لوطنٍ يبحث عن اعتراف العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى