
“عش الطمع”.. الوجه الخفي للجريمة
تدخل القناة الأولى موسم رمضان 2026 بعمل اجتماعي جريء يحمل عنوان “عش الطمع”، واضعاً قضية الاتجار بالأطفال في صلب النقاش العمومي عبر معالجة درامية مشوقة لا تكتفي بالإثارة، بل تنفذ إلى عمق البنية الاجتماعية التي تسمح بنمو مثل هذه الجرائم..
المسلسل لا يقدّم الحكاية باعتبارها مواجهة تقليدية بين خير وشر، بل يكشف شبكة معقدة من المصالح المتشابكة التي تنشط في الظل، حيث يتحول الطفل إلى ضحية منظومة كاملة تغذيها الحاجة والفقر والطمع، و من خلال حبكة متصاعدة الإيقاع، يتتبع العمل خيوط شبكة إجرامية تنشط بطرق ملتوية، مستفيدة من هشاشة بعض الأسر ومن ثغرات اجتماعية ونفسية تفتح الباب أمام الاستغلال..
خلفيات اجتماعية تغذي الجريمة
لا يطرح “عش الطمع” الاتجار بالأطفال كجريمة معزولة، بل يربطها بسياقات اجتماعية أوسع، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع التفكك الأسري وضعف الوعي القانوني، ويعكس العمل واقعاً يعرفه المجتمع لكنه يتجنب الخوض فيه علناً، مسلطاً الضوء على كيفية استغلال الفئات الهشة تحت ضغط الحاجة، وكيف تتحول بعض العلاقات الإنسانية إلى أدوات للابتزاز أو الوساطة في مسارات غير قانونية.
هنا تمارس الدراما دورها النقدي، إذ تكشف كيف يمكن للطمع أن يعمي الضمائر ويحوّل الضحية إلى رقم في معادلة ربحية باردة، وفي المقابل، تبرز شخصيات تحاول مقاومة هذا الانزلاق الأخلاقي، ما يفتح باب الأمل ويمنح السرد بعداً أخلاقياً متوازناً.
تشويق يخدم الرسالة
العمل من توقيع المخرج أيوب الهنود الذي يقود تجربة درامية تسعى إلى معالجة موضوع شائك، وقد كتب النص كل من بسمة الهجري وإيمان عزمي وجواد لحلو في صيغة جماعية تعكس تنوعاً في الرؤى وتكاملاً في البناء السردية.. حيث يعتمد المسلسل على إيقاع مشوق يتصاعد تدريجياً، مع كشف تدريجي لأسرار الشبكة الإجرامية وتفاصيل اشتغالها في الخفاء، دون الوقوع في فخ المباشرة أو التقريرية، وينبع التوتر الدرامي من الصراعات النفسية للشخصيات بقدر ما ينبع من الأحداث نفسها، ما يجعل المشاهد منخرطاً عاطفياً وفكرياً في آن واحد.
بطولة جماعية بأداء مركب
يعتمد المسلسل على توليفة تمثيلية تجمع بين الخبرة والحضور القوي، إذ تشارك في العمل أسماء بارزة مثل أمين الناجي وسعد موفق والسعدية لاديب ومونية لمكيمل وفاطمة الزهراء الجوهري وطه بنسعيد وعادل أبا تراب، فيما تتصدر البطولة مريم الزعيمي في تجربة تراهن على الأداء المركب للشخصيات وتعدد مستويات الصراع داخل الحكاية، يمنح هذا الحضور الجماعي للعمل عمقاً درامياً، حيث تتقاطع مسارات الشخصيات بين الضحية والجلاد والمتواطئ، في صورة تعكس تعقيد الواقع بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
دراما تسائل المجتمع وتختبر وعيه
بهذا الطرح، يبدو “عش الطمع” مرشحاً ليكون من أبرز أعمال رمضان 2026، ليس فقط لقوة موضوعه، بل لجرأته في تحويل الدراما إلى مساحة مساءلة اجتماعية تضع المشاهد أمام أسئلة صعبة حول المسؤولية الجماعية في مواجهة جرائم تمس أكثر الفئات هشاشة في المجتمع.




