
سترونغ اندبندت وومن
بقلم: الصحافية هدى سحلي
يشكل الثامن من مارس لحظة مراجعة i والتحولات في مسار حقوق النساء.
لكن، خارج لغة الحقوق وتقاريرها، هناك الإنسان: حياة كاملة بنبضها، بنزواتها، بطموحاتها، وأفكارها التي لا تختزل في مواد قانونية ولا تشكل داخل مصفوفات جاهزة. أشياء منفلتة، يصعب الإمساك بها.
نساء يصرحن بأنهن لم يعدن يردن أن يكنّ “strong indépendante woman”
ومن بين هذه “المنفلتات”، فكرة أخذت تتكرر في السنوات الأخيرة، وإن بشكل متقطع ومتناثر: نساء يصرحن بأنهن لم يعدن يردن أن يكنّ “strong indépendante woman”.
يقلن إنهن تعبن من شروطها، من التزاماتها، من تلك الصورة الصلبة التي لا تسمح بالهشاشة.
ولهن الحق في التعب.
فالاستقلالية مرهقة.
والقوة مرهقة.
والحرية نفسها مسؤولية ثقيلة.
بعضهن يرددنها بدافع الترند أو الكوميديا وخفة الظل، لكن حتى المزاح يكشف أحيانا ما نحاول تخفيفه بالسخرية.
العبارة، وإن بدت عابرة، تخفي ما وراءها.
شعار لم نعد نريد ان نكون المرأة القوية المستقلة
اللافت أن كثيرات ممن ترفعن هذا الشعار – شعار لم نعد نريد ان نكون المرأة القوية المستقلة- يبدون في موقع مريح نسبيا، استقرار مادي، مستوى تعليمي وثقافي معين، حققن انجازات واحلام على المستوى الشخصي.
وصلن إلى مرحلة لا يطمحن فيها إلى مزيد من الصعود بقدر ما يطمحن إلى الطمأنينة.
لا ينقصهن ـ في تصورهن ـ إلا رجل يُستند إليه.
ليس أي رجل، بل رجل “يليق بمقامهن”.
في هذا المستوى من الوفرة، يصبح التعب مفهوما: ليس تعب الحاجة، بل تعب الإنجاز، ليس تعب الخوف، بل تعب المسؤولية المستمرة، إنه بحث عن راحة من مستوى اخرى بعد صعود طويل.
لكن بين هذه الصورة وصور أخرى في المجتمع مسافة شاسعة.
مسافة بين من تختار أن تخفف عن نفسها عبء القوة، ومن كانت القوة شرط بقائها.
بين من تطلب الاتكاء، ومن كانت تتمنى فقط ألا تكون بلا سند ذاتي يحميها.
هؤلاء النساء اللواتي تعبن من القوة والاستقلالية، قد لا يعرفن معنى امرأة معدمة، بلا حيلة، تُدفع كل يوم إلى الهشاشة دون خيار.
امرأة قد تكون في زواج يفتقد للحب، مثقل بالعنف، وتدرك في داخلها أن الخروج ممكن… لو كانت تملك فقط الحد الأدنى من القوة.
لو كان لديها بيت تأوي إليه، أو دخل يحميها، أو قدرة على أن تقول: كفى.
لا يعرفن نساء عاملات يكدن ليلا نهارا لأجل قوت يومهن ويصبرن انفسهن ويطلبن أن يقويهن الله في دعائهن.
قد لا يعرفن صبر ابنة تقاوم بصمت، تكبر وهي تعدّ الأيام التي ستتمكن فيها من العمل، من الادخار، من بناء مساحة صغيرة خاصة بها أو بأسرتها كاملة، فقط لتشعر بالأمان.
لا لأن الاستقلالية رفاه، بل لأنها ضرورة، لأنها خط الدفاع الأخير.
هناك فرق شاسع بين امرأة تختار أن ترتاح من الاستقلالية بعد أن تأمّنت، وبين امرأة تُسلب منها أبسط شروط الاستقلال فتُدفع دفعا إلى الارتهان.
الأولى تتحدث من موقع وفرة، والثانية تصمت من موقع خوف.
الاستقلالية مرهقة، نعم.
لكن الارتهان أكثر إرهاقاً.
القوة متعبة، نعم.
لكن العجز يفتك بالروح.
الحرية مسؤولية ثقيلة، صحيح.
لكن انعدامها قيد دائم.
فكرة “التعب من strong indépendante woman” قد تبدو بريئة، وربما صادقة عند بعضهن، لكنها حين تتحول إلى خطاب عام تنتج التباسا خطيرا: كأن القوة كانت خطأ، وكأن الاستقلال كان عبئا غير ضروري، وكأن الاتكاء هو الحل الطبيعي.
المسألة ليست في أن تستند امرأة إلى رجل يليق بها، فالاستناد المتبادل في العلاقات السليمة حق مشروع وجميل.
جالمشكلة حين يصبح الاستناد بديلا عن القدرة، وحين تقدم الحماية كتعويض عن غياب الاستحقاق الذاتي.
المرأة التي تتمنى شريكا تتكئ عليه ويتكئ عليها، تختلف جذريا عن امرأة تحتاج شريكا لأنها لا تملك خيارا آخر.
الأولى تختار، والثانية تُجبر.
والفرق بين الاختيار والإجبار هو جوهر كل نقاش حول حقوق النساء، وهو روح كل نضال خيض باسم الكرامة.
ليس المطلوب أن تبقى المرأة في حالة صراع دائم، ولا أن تتحول القوة إلى هوية جامدة.
القوة ليست شعارا، والاستقلال ليس عقيدة، بل هما أدوات.
أدوات كي لا يكون الحب سجنا، ولا الزواج مقامرة، ولا الطلاق كارثة وجودية.
المرأة التي تعبت من القوة قد تستحق الراحة،
لكن الراحة الحقيقية لا تكون بالعودة إلى الهشاشة،
بل بأن تصبح القوة خيارا لا اضطرارا،
وأن يتحول الاستقلال من معركة يومية إلى أرضية صلبة تقف عليها وهي مطمئنة.
الشريك إضافة لا نجاة
الامتياز الحقيقي ليس أن تتخلى عن لقب “strong indépendante woman”،
بل أن تكون لديك القدرة على التخلي عنه دون أن ينهار عالمك.
هنا فقط يصبح التعب مفهوما،
ويصبح الاتكاء مشاركة لا استعاضة،
ويصبح الشريك إضافة لا نجاة.
وفي النهاية، القضية ليست في تمجيد القوة لذاتها،
ولا في إدانة الرغبة في الراحة،
بل أن نضمن لكل امرأة مهما كان موقعها أن تملك خيارها.





