الرئسيةمجتمع

8 مارس في المغرب: مساءلة لا احتفال

°تحرير: جيهان مشكور

في كل عام، يحل الثامن من مارس حاملاً معه خطابات رسمية عن التمكين والمساواة، غير أن الواقع الاجتماعي في المغرب يصرّ على تقديم صورة أقل احتفالية وأكثر قسوة.. فبدل أن يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بالمكتسبات، تستعد العديد من الهيئات الحقوقية لتنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان، رافعة شعاراً يعكس حجم التوتر الاجتماعي: “نساء في مواجهة الاحتلال والاستغلال والقمع والتفقير وسوء تدبير الكوارث الطبيعية”، وبين الخطاب الرسمي والواقع اليومي، تبدو المسافة واسعة بما يكفي لتحويل يوم عالمي للاحتفال بالمرأة إلى منصة للمساءلة والاحتجاج.

حراك حقوقي يعيد طرح الأسئلة المؤجلة

تأتي الوقفة المرتقبة اليوم بدعوة من عدة تنظيمات حقوقية، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وتنسيقية المسيرة العالمية للنساء بالمغرب والائتلاف الوطني لدعم حراك فكيك.. كل هذه الهيئات لا تتحدث فقط عن مظالم معزولة، بل عن بنية اجتماعية وقانونية ما تزال عاجزة عن ضمان الحماية الكافية للنساء، والمطالب المطروحة تتجاوز الاحتجاج الرمزي، لتلامس الحاجة إلى مراجعة القوانين المنظمة لوضعية المرأة، خاصة في ظل اعتراف مؤسساتي بوجود اختلالات تشريعية وضعف في آليات الردع القضائي.

والمفارقة أن هذه الدعوات للاحتجاج تتزامن مع صدور التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي أكد بدوره استمرار انتهاك حقوق النساء والفتيات في المغرب، وهو اعتراف رسمي يسلط الضوء على مفارقة أخرى: الاعتراف بالمشكل لا يعني بالضرورة القدرة على معالجته.

أرقام تكشف هشاشة الواقع الاجتماعي

كشف التقرير عن ارقام تضع النقاش في سياقه الواقعي بعيداً عن الشعارات.. حيث أشار المجلس إلى أن أكثر من 60٪ من طلبات تزويج القاصرات تحظى بالموافقة القضائية، وهو رقم يعكس استمرار ظاهرة يفترض أن تكون استثناءً قانونياً لا قاعدة اجتماعية، والأكثر إثارة للقلق أن 97٪ من الطفلات اللواتي يتزوجن ينقطعن عن الدراسة، ما يعني عملياً إغلاق باب التعليم أمام آلاف الفتيات سنوياً.

وفي الجانب الاقتصادي، تتجلى هشاشة وضعية النساء بوضوح أكبر، فمعدل بطالة النساء يبلغ نحو 20.1٪، وهو رقم يتجاوز بكثير المعدل المسجل لدى الرجال، كما يبرز التقرير استمرار الفجوة في الأجور بين الجنسين رغم تساوي المؤهلات، إضافة إلى محدودية وصول النساء إلى مناصب القرار، ما يعكس خللاً بنيوياً في سوق الشغل، وتزداد هذه الهشاشة في العالم القروي حيث أدى الجفاف المتواصل إلى تقليص فرص العمل ومصادر الدخل، مما يجعل النساء أولى ضحايا الأزمات الاقتصادية والمناخية.

قضاء متردد أمام جرائم العنف والتحرش

ورغم وجود ترسانة قانونية لمحاربة العنف ضد النساء، فإن التقرير يشير إلى محدودية فعاليتها على أرض الواقع، حيث تكشف المعطيات المتوفرة عن ضعف الحماية القضائية والمؤسساتية في مواجهة قضايا العنف والتحرش والتشهير الرقمي، ومع تصاعد الحملات الإلكترونية التي تستهدف النساء، أصبح الفضاء الرقمي بدوره ساحة جديدة للعنف الرمزي.

و قد أعادت القضية التي تعرضت لها الصحافية بشرى الخونشا النقاش حول مدى قدرة القانون على حماية النساء من التشهير الرقمي، خاصة أن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 503 من القانون الجنائي لا تبدو متناسبة مع الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي تتركه هذه الجرائم.

النساء في قلب الاحتجاجات الاجتماعية

اللافت في التقرير أن النساء لم يعدن مجرد ضحايا للأزمات، بل أصبحن أيضاً فاعلات في الاحتجاجات الاجتماعية.. فقد شاركن بقوة في عدد من الحركات الاحتجاجية، من بينها احتجاجات فجيج حول الحق في الماء، واحتجاجات دوار تيفرت بضواحي بني ملال للمطالبة بالحق في الصحة، إضافة إلى احتجاجات مطالبة بالدعم في الداخلة، و تعكس هذه المشاركة تحولا اجتماعياً تدريجياً، حيث لم تعد النساء حاضرات فقط في الخطاب الحقوقي، بل أيضاً في الشارع.

كما سلط التقرير الضوء على معاناة النساء في المناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث واجهن صعوبات في الاستفادة من الدعم الحكومي والخدمات الصحية، فضلاً عن عراقيل في التبليغ عن حالات العنف داخل سياق اجتماعي هش.

توصيات مؤجلة بين النص القانوني والواقع

في ختام تقريره، دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى تسريع تفعيل الهيئة المكلفة بالمناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز، إضافة إلى إطلاق مشاورات واسعة لمراجعة قانون محاربة العنف ضد النساء بهدف تشديد العقوبات والحد من الإفلات من العقاب، كما أوصى بإعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لقضايا الإجهاض.

غير أن السؤال الذي يظل معلقاً في الهواء كل عام مع اقتراب الثامن من مارس ليس ما إذا كانت التقارير ستكتب أو التوصيات ستعلن، بل ما إذا كانت هذه الاعترافات ستتحول يوماً إلى سياسات فعالة تغير فعلاً حياة النساء المغربيات، أم أنها ستظل مجرد وثائق رسمية تضاف إلى أرشيف طويل من التشخيصات التي تعرف الداء جيداً، لكنها ما تزال عاجزة عن وصف الدواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى