الرئسيةالكتابثقافة وفنون

حين تصبح امرأة غزة خط الدفاع الأخير

يقدم كتاب المرأة الفلسطينية زمن الحرب بين تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي للباحثين منصور أبو كريم ونورا زقوت، والصادر سنة 2026 عن منشورات مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة، قراءة تحليلية معمقة لتجربة المرأة الفلسطينية خلال الحرب التي شهدها قطاع غزة بين عامي 2023 و2025. ويقع الكتاب في 290 صفحة، ويجمع بين التأصيل التاريخي والدراسة الميدانية، في محاولة لفهم التحولات التي طرأت على دور المرأة الفلسطينية في ظل ظروف إنسانية استثنائية.

غض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها المرأة الفلسطينية

ينطلق الكتاب من نقد الواقع الدولي الذي يرفع شعارات الدفاع عن حقوق المرأة، لكنه يغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها المرأة الفلسطينية في سياق الاحتلال والحروب المتكررة. ويبرز العمل أن الحق في الحياة، باعتباره أساس الحقوق الإنسانية، يتعرض لانتهاك مباشر في الحالة الفلسطينية، حيث تعيش النساء في بيئة يطاردها القصف والنزوح وغياب الخدمات الأساسية. كما يشير إلى أن توثيق هذه الانتهاكات غالباً ما يواجه بالتشكيك أو الانتقاد، رغم خطورة ما تتعرض له النساء من ممارسات تمس حياتهن وكرامتهن.

وتسعى الدراسة إلى تقديم المرأة الفلسطينية ليس فقط بوصفها ضحية للحرب، بل باعتبارها فاعلاً اجتماعياً محورياً يسهم في حماية النسيج المجتمعي والحفاظ على الهوية الوطنية في ظل انهيار المؤسسات وتفاقم الأزمات. لذلك تعالج فصول الكتاب الأربعة التحولات التي فرضتها الحرب على الأدوار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للنساء في قطاع غزة.

مشاركة النساء في الثورات الشعبية خصوصاً خلال ثورة 1936

يستعرض الفصل الأول الجذور التاريخية للنضال النسوي الفلسطيني منذ فترة الانتداب البريطاني، حيث شهدت تلك المرحلة تأسيس أولى الجمعيات النسوية، مثل جمعية السيدات العربيات في القدس سنة 1921، والتي لعبت دوراً في تنظيم العمل النسائي والمشاركة في مواجهة المشروع الصهيوني.

كما يبرز الكتاب مشاركة النساء في الثورات الشعبية، خصوصاً خلال ثورة 1936، وتوسع الحركة النسوية في مدن فلسطينية عدة قبل نكبة 1948. ومع اللجوء وما تبعه من تحولات تاريخية، اضطلعت المرأة بدور مهم في الحفاظ على الهوية الوطنية داخل المخيمات.

بروز أطر نسوية مرتبطة بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية

كما يتوقف الكتاب عند مرحلة ما بعد حرب 1967 التي شهدت بروز أطر نسوية مرتبطة بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى الدور البارز للنساء خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، سواء في اللجان الشعبية أو في العمل المجتمعي. ومع قيام السلطة الفلسطينية، دخل العمل النسوي مرحلة المأسسة، مع محاولة الموازنة بين المطالبة بالحقوق الاجتماعية ومتطلبات النضال الوطني.

في فصول لاحقة، يركز الكتاب على تداعيات الحرب الأخيرة في قطاع غزة، التي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدى القصف المستمر وفقدان مصادر الدخل إلى تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي، واضطرت العديد من الأمهات إلى تقليص استهلاكهن الغذائي لضمان بقاء أطفالهن. كما زادت معاناة النساء نتيجة النزوح المتكرر وفقدان الممتلكات، فضلاً عن انهيار شبكات الدعم الاجتماعي التي كانت توفر قدراً من الحماية قبل الحرب.

ويعرض الكتاب كذلك التدهور الحاد في القطاع الصحي، خاصة بالنسبة للنساء الحوامل اللواتي اضطر بعضهن للولادة في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية. كما ساهم الاكتظاظ في مراكز الإيواء ونقص المياه النظيفة ومواد النظافة في انتشار الأمراض الجلدية والمعدية. إلى جانب ذلك، رصدت الدراسة ارتفاعاً ملحوظاً في الاضطرابات النفسية بين النساء، بما في ذلك اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق المزمن، نتيجة فقدان الأقارب والتعرض المستمر لمشاهد العنف والدمار.

تستند نتائج الكتاب إلى دراسة ميدانية شملت عينة من 400 امرأة

وتستند نتائج الكتاب إلى دراسة ميدانية شملت عينة من 400 امرأة من مختلف مناطق قطاع غزة. وقد كشفت النتائج عن مؤشرات مقلقة، إذ أفادت نسبة 86.5% من المشاركات بعدم حصولهن على رعاية صحية مناسبة، في ظل انهيار خدمات الرعاية الأولية. كما أظهرت البيانات انتشار النزوح القسري وفقدان المأوى، إلى جانب شعور واسع بعدم العدالة في توزيع المساعدات الإنسانية بسبب ضعف التنظيم والرقابة.

على الصعيد السياسي، تشير الدراسة إلى تراجع مشاركة النساء في الحياة السياسية نتيجة انشغالهن بتدبير متطلبات الحياة اليومية في ظل الحرب، حيث أفادت نحو 69.3% من المشاركات بشعورهن بتهميش دورهن داخل المؤسسات السياسية. ومع ذلك، أبدت نسبة مهمة من النساء رغبة في تعزيز مشاركتهن السياسية بعد انتهاء الحرب، مع التركيز على التمكين الاقتصادي واستعادة مقومات الحياة الطبيعية.

نساء غزة في مستوى عالي من الصمود

ويخلص الكتاب إلى أن تجربة المرأة الفلسطينية في غزة خلال سنوات الحرب تكشف عن مستوى عالٍ من الصمود والقدرة على التكيف مع الأزمات، رغم حجم الخسائر الإنسانية والمعيشية. كما يؤكد أن تمكين النساء وحمايتهن يمثلان مدخلاً أساسياً لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتعزيز قدرته على التعافي بعد الحرب.

وبذلك يشكل هذا العمل مرجعاً مهماً يجمع بين التحليل التاريخي والدراسة الميدانية، ويوثق مرحلة مفصلية من تاريخ المجتمع الفلسطيني، مسلطاً الضوء على الدور المحوري الذي لعبته المرأة في الحفاظ على تماسك المجتمع وسط واحدة من أعنف الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

اقرأ أيضا….

في 8 مارس، نساء غزة يعلمن العالم معنى الصمود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى