
خلال العقد الأخير، تحول المغرب تدريجيا من مجرد محطة عبور للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا إلى بلد إقامة واستقرار لعدد متزايد منهم.
تحول لم يعد مجرد توصيف سياسي أو إعلامي
هذا التحول لم يعد مجرد توصيف سياسي أو إعلامي، بل تؤكده الأرقام الرسمية التي تكشف عن تغيرات واضحة في الخريطة الديموغرافية للمملكة.
فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط المستندة إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد الأجانب المقيمين بالمغرب نحو 148 ألفاً و152 شخصاً، أي ما يعادل 0.4 في المائة من مجموع السكان البالغ عددهم حوالي 36.8 مليون نسمة.
كما سجلت هذه الفئة زيادة كبيرة بلغت 76.4 في المائة مقارنة بإحصاء 2014، وهو ما يعكس تزايد استقرار المهاجرين داخل البلاد بدل مواصلة الرحلة نحو أوروبا.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن نحو 60 في المائة من الأجانب المقيمين بالمغرب ينحدرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في تحول لافت في بنية الهجرة بالمملكة، بعدما كانت الجاليات الأوروبية، خصوصاً الفرنسية، تمثل النسبة الأكبر في العقود السابقة.
تزايد أعداد المهاجرين المقيمين غير النظاميين
وقد عزز هذا التحول اعتماد المغرب منذ عام 2013 سياسة جديدة للهجرة واللجوء، شملت عمليات تسوية استثنائية للوضعية القانونية لآلاف المهاجرين، إضافة إلى إدماجهم في قطاعات التعليم والصحة وسوق العمل.
غير أن تزايد أعداد المقيمين غير النظاميين، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل المدن الكبرى، جعل ملف الهجرة يعود إلى الواجهة بوصفه قضية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإنسانية والتنموية.
وفي هذا السياق، يتجدد النقاش حول كيفية التوفيق بين حق الدولة في تنظيم الهجرة وضبط الإقامة فوق أراضيها وبين الالتزام بالمبادئ الحقوقية الدولية المتعلقة بحماية المهاجرين.
المغرب يستعد لتشديد إجراءات الهجرة وترحيل المخالفين لقوانين الإقامة
ذكر تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت أن السلطات المغربية تستعد، بعد انتهاء شهر رمضان، لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، خصوصا أولئك الذين لا يتوفرون على وثائق سفر أو إقامة قانونية.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، تعتزم السلطات في مدن كبرى مثل الدار البيضاء منع هؤلاء المهاجرين من المبيت في الأماكن العامة أو ممارسة التسول في الشوارع، في خطوة تهدف إلى الحد من مظاهر الفوضى المرتبطة ببعض تجمعاتهم داخل الفضاءات الحضرية.
كما تشير المعطيات نفسها إلى أن السلطات قد تقدم على ترحيل عدد من المهاجرين المخالفين لقوانين الإقامة، خاصة بعد تورط بعضهم في أحداث عنف سجلت في عدد من المدن المغربية خلال الفترة الأخيرة.
خلفيات القرار
وأفاد التقرير المنشور في الصحيفة ذاتها، بأن هذه المعلومات جرى الكشف عنها خلال لقاء جمع قنصل جمهورية غينيا في المغرب بعدد من أفراد الجالية الغينية في الدار البيضاء قبل أيام، حيث أرجع القنصل هذه الإجراءات إلى تزايد الحوادث والسلوكيات غير القانونية المرتبطة ببعض المهاجرين.
كما ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة شكايات عدد من المواطنين في بعض الأحياء الشعبية بمدن مثل الدار البيضاء والرباط وسلا وطنجة، على خلفية أعمال اعتبرها السكان غير قانونية، ارتبطت في بعض الحالات بمجموعات من المهاجرين الأفارقة.
والمهاجرون المعنيون بهذه الإجراءات هم أساساً أولئك الذين دخلوا المغرب أو استقروا فيه من دون وثائق إقامة قانونية أو بعد انتهاء مدة التأشيرة، وينحدر معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل مالي والسنغال وغينيا والكاميرون.
الإطار القانوني للهجرة
وينظم ملف الهجرة في المغرب القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب الصادر سنة 2003، والذي يفرض على الأجانب حيازة جواز سفر ساري المفعول وتأشيرة دخول، إضافة إلى الحصول على تصريح إقامة بالنسبة لمن تتجاوز مدة إقامتهم 90 يوماً.
كما يلزم القانون الأجانب بطلب بطاقة الإقامة خلال 48 ساعة من دخول التراب الوطني لدى السلطات المختصة، مع ضرورة إثبات وسائل العيش والسكن. وفي حال عدم احترام هذه المقتضيات، يمكن أن يتعرض الشخص لإجراءات إدارية مثل التوقيف أو الترحيل.
بين السيادة والحقوق
في المقابل، يرى عبد الإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، في إفادة خص بها صحيفة “،أندبندنت” أن تقييم أي خطوة تتعلق بترحيل المهاجرين غير النظاميين يقتضي مقاربة متوازنة تجمع بين احترام سيادة الدولة وتطبيق قوانينها، وبين الالتزام بالمبادئ الحقوقية والإنسانية التي تنظم معاملة المهاجرين.
ويؤكد الخضري أن من حق أي دولة تنظيم الهجرة فوق أراضيها، خصوصاً عندما ترتبط بعض الممارسات بأفعال مخالفة للقانون أو تهديد للنظام العام، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تحويل تدبير ملف الهجرة إلى مقاربة أمنية صرفة أو عقابية جماعية.
وأوضح أن المهاجرين، حتى في وضعية غير نظامية، يظلون أشخاصاً يتمتعون بحقوق أساسية تكفلها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الحق في الكرامة الإنسانية والحماية من المعاملة المهينة أو التمييزية.
وشدد الخضري على أن أي قرار بالترحيل يجب أن يراعي جملة من الضوابط الحقوقية، من بينها رفض الترحيل الجماعي واعتماد معالجة فردية لكل حالة وفق ضمانات قانونية واضحة، إضافة إلى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية إذا كان الترحيل قد يعرض الشخص لخطر الاضطهاد أو العنف في بلده الأصلي.
كما دعا إلى تمكين المعنيين من الطعن القانوني والاستفادة من المساعدة القانونية قبل اتخاذ قرار الترحيل، مع تجنب أي خطاب قد يؤدي إلى وصم جماعي للمهاجرين الأفارقة أو ربطهم بصورة تلقائية بالجريمة.
مسؤولية مشتركة
في المقابل، يؤكد الخضري أن الاندماج واحترام قوانين البلد المضيف يظل مسؤولية مشتركة، مشيراً إلى أن بعض السلوكيات المعزولة التي قد تصدر عن أفراد لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإذكاء التوترات أو الخطابات العنصرية.
ويرى أن المقاربة الأكثر توازناً لتدبير ملف الهجرة في المغرب تقوم على الجمع بين الحزم القانوني والبعد الإنساني، من خلال تعزيز سياسات الإدماج، وتطوير برامج تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، إضافة إلى توسيع التعاون مع بلدان الأصل والمنظمات الدولية.
وبذلك، يظل التحدي المطروح أمام المغرب هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأمن الاجتماعي وتنظيم الهجرة من جهة، وصون القيم الحقوقية والالتزامات الدولية من جهة أخرى، في ظل تحوله المتسارع إلى بلد استقبال واستقرار للمهاجرين داخل القارة الأفريقية.





