
عادت سواحل أكادير لتدق ناقوس الخطر، لكن هذه المرة بصوت أعلى من المعتاد.. حيث انعقد اجتماع مهني في 16 من الشهر الجاري بمندوبية الصيد البحري، كمحطة حاسمة كشفت حجم الاختلال الذي تعيشه المصيدة المحلية، بعد أن رسمت الأرقام والمؤشرات التي عُرضت خلال النقاش صورة غير مطمئنة، حيث باتت الأسماك الصغيرة، خصوصًا السردين والأنشوبا، تشكل الكتلة الغالبة داخل المصايد، في دلالة واضحة على خلل في دورة التجدد الطبيعي للثروة السمكية.
اقتصاد على حافة التآكل
القرار المرتقب بإغلاق مصايد أكادير لمدة شهر، في إطار ما يُعرف بالراحة البيولوجية الدينامية، لا يمكن فصله عن سياق اقتصادي هش يعيش على إيقاع التذبذب، فقطاع الصيد البحري يساهم بحوالي 2% من الناتج الداخلي الخام للمغرب، ويوفر مئات الآلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، ما يجعل أي توقف، ولو مؤقت، بمثابة هزة تمتد آثارها من الموانئ إلى الأسواق، غير أن المفارقة تكمن في أن الاستمرار في الاستغلال الحالي، القائم على صيد أحجام غير قانونية وإعادة رميها في البحر، لا يمثل فقط هدراً للموارد، بل يفاقم من خسائر مستقبلية قد تكون أكثر كلفة.
العلم في مواجهة منطق السوق
في هذا السياق، قدم المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري خلال الاجتماع تشخيصًا دقيقًا: المخزون يحتاج إلى فترة قد تصل إلى ستة أشهر لاستعادة توازنه، وهو ما يضع الإدارة أمام معادلة صعبة بين إكراهات السوق ومتطلبات الاستدامة، و فيما ابدت السلطات مرونة واضحة خلال شهر رمضان، لتلبية الطلب المتزايد، إلا ان هذه البراغماتية المؤقتة كشفت حدودها سريعًا، فالسوق، بطبيعته، لا ينتظر نضج الأسماك، بل يلتهم ما هو متاح، حتى لو كان ذلك على حساب المستقبل.
هجرة اضطرارية نحو الجنوب
في ظل هذا الوضع، يُنتظر أن تعيد مراكب الصيد توجيه بوصلتها نحو السواحل الجنوبية، خصوصًا سيدي إفني وطانطان، مستفيدة من مرونة مخطط تهيئة مصايد الأسماك السطحية الصغيرة، هذا التحول الجغرافي لا يخلو من تبعات اجتماعية، إذ يفرض على البحارة تكاليف إضافية وظروف عمل أكثر قسوة، كما يعيد توزيع الضغط على مصايد أخرى قد تجد نفسها بدورها أمام خطر الاستنزاف إذا لم تُواكب بصرامة تدبيرية.
بين الواقعية والإنكار الجماعي
اللافت في كل هذا ليس فقط هشاشة المخزون، بل أيضًا تأخر رد الفعل الجماعي. فالممارسات غير المستدامة التي شهدتها الأسابيع الماضية، من صيد مكثف لأحجام صغيرة، لم تكن سرًا، بل جرت على مرأى الجميع، في مشهد يلخص علاقة ملتبسة بين الفاعلين والموارد.. وكأن القطاع يسير بمنطق “اقتنص الآن واعتذر لاحقًا”، في تجاهل شبه تام لحقيقة أن البحر، مهما بدا سخياً، ليس بلا حدود.
في النهاية، يبدو أن قرار الإغلاق، رغم كلفته، هو أقل الخيارات سوءًا، فهو ليس فقط إجراء تقني، بل اعتراف ضمني بأن نموذج الاستغلال الحالي بلغ مداه، وأن الاستمرار فيه لن يقود إلا إلى فراغ بحري ينعكس سريعًا على موائد المستهلكين وجيوب العاملين، وبين ضغط السوق وصوت العلم، تظل أكادير اليوم أمام اختبار حقيقي: إما استراحة قسرية تعيد التوازن، أو سباق محموم نحو استنزاف لا رجعة فيه.





