
في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن ضخ اعتمادات مالية جديدة لدعم القطاع الفلاحي، يتجدد الأمل لدى المغاربة في أن تنعكس هذه الجهود على موائدهم وأسواقهم اليومية.
لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس تماماً، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع، وتزداد كلفة المعيشة ثقلاً، فيما يبدو أن أثر الدعم يتبخر في الطريق بين الضيعة وسوق الجملة.
دعم سخي… وسوق منفلت
هذا التناقض الصارخ يكشف خلل بنيوي في طريقة تدبير الدعم العمومي، الذي يُفترض أن يكون أداة لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فإذا به يتحول إلى عنصر يغذي اختلالات السوق، فالملايير التي تُوجه لكبار الفلاحين وبعض الوسطاء”الفراقشية”، لا تُواكبها أي التزامات واضحة بضبط الأسعار أو حماية القدرة الشرائية، ما يجعل المستفيد الحقيقي من هذا الدعم بعيداً عن المواطن البسيط.
مسار غامض من الضيعة إلى المستهلك
المشكل لا يتعلق فقط بحجم الدعم، بل بطبيعته وشروطه، إذ يتم في كثير من الأحيان ضخ الأموال دون ربطها بمؤشرات دقيقة تهم السوق، مثل استقرار الأسعار أو تقليص هوامش الربح غير المبررة، وفي غياب نظام تتبع فعال، يظل مسار المنتجات من الضيعة إلى المستهلك غامضاً، تتحكم فيه شبكات من الوسطاء الذين يضاعفون الأسعار في كل حلقة، دون حسيب أو رقيب.
تسقيف الأسعار… خيار مؤجل
وسط هذا الواقع، يبرز تساؤل مشروع حول غياب آليات أكثر جرأة لتنظيم السوق، وعلى رأسها تسقيف الأسعار في الفترات الحساسة، فالدولة التي تمتلك المعطيات حول تكاليف الإنتاج وسلاسل التوزيع، قادرة نظرياً على وضع حدود معقولة للأسعار، بما يضمن توازناً بين مصالح المنتجين وحماية المستهلكين. غير أن هذا الخيار لا يزال مؤجلاً، رغم تفاقم موجات الغلاء وتكرارها في كل موسم.
اختلال في فلسفة الدعم
الأمر يتجاوز مجرد ارتفاع ظرفي في الأسعار، ليعكس نمطاً اقتصادياً يفتقر إلى العدالة في توزيع الدعم والفرص، فحين يستفيد كبار الفاعلين من الامتيازات، بينما يتحمل المواطن كلفة مضاعفة، فإننا نكون أمام اختلال في فلسفة السياسات العمومية نفسها، لا في نتائجها فقط.
من دعم الإنتاج إلى حماية القدرة الشرائية
إن إعادة النظر في منظومة الدعم أصبحت ضرورة ملحة، ليس فقط من زاوية النجاعة الاقتصادية، بل من منظور العدالة الاجتماعية أيضا فالدعم الذي لا يصل أثره إلى السوق، ولا يخفف العبء عن الأسر، يفقد مبرره، بل قد يتحول إلى عامل يفاقم الفوارق بدل تقليصها.
حكامة مفقودة وإصلاح مؤجل
المطلوب اليوم ليس المزيد من الأموال، بل المزيد من الحكامة، حكامة تضمن تتبعا دقيقا لمسار المنتجات، وتربط الدعم بشروط واضحة، وتفتح المجال أمام تدخلات تنظيمية عند الحاجة، بما في ذلك تسقيف الأسعار أو تحديد هوامش الربح في الفترات الاستثنائية.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن أمن غذائي حقيقي في ظل أسعار تفوق قدرة المواطنين، ولا عن دعم ناجح إذا كان أثره لا يُرى إلا في الأرقام الرسمية. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الدعم من أداة لإرضاء التوازنات الاقتصادية الكبرى، إلى وسيلة لحماية التوازن الاجتماعي، حيث يكون المواطن في صلب المعادلة لا على هامشها.





