الرئسيةشواهد على التاريخمجتمع

تنقيبات جديدة تعيد قراءة تاريخ أقدم من وليلي

تتواصل الأبحاث الأثرية بموقع “ريغا” الأركيولوجي، بضواحي سيدي سليمان، في إطار برنامج مغربي-فرنسي يعيد طرح أسئلة قديمة حول نشأة الحواضر بالمغرب القديم، في ضوء معطيات ميدانية تتجدد مع كل موسم تنقيب.

تنقيبات ميدانية متعددة المواقع

وانطلقت أشغال الحفريات خلال شهر أبريل الجاري، تحت إشراف عالم الآثار محمد اكبيري علوي، أستاذ بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، حيث يشتغل فريق البحث على أكثر من واجهة داخل الموقع.

في “مجال التل”، يركز الباحثون على مستويات تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بحثا عن بقايا مورية، بينما تم فتح ورش جديد بمحاذاة وادي بهت، للكشف عن مكونات حمامات عمومية، في مؤشر على وجود تنظيم حضري متقدم.
بالموازاة مع ذلك، يجري توسيع مجالات التنقيب وسط الموقع، اعتمادا على نتائج المسح الجيوفيزيائي، بحثا عن آثار مبان عمومية محتملة.

المختبر يكمل ما تكشفه الحفريات

لا تقتصر الأبحاث على الحفريات الميدانية، بل تمتد إلى العمل المخبري، حيث تخضع اللقى الأثرية، خاصة الخزفية منها، للدراسة والتحليل، بهدف تحديد التسلسل الزمني واستعادة أنماط العيش داخل الموقع.
هذا التكامل بين الميدان والمختبر يتيح قراءة أدق للطبقات الأثرية، وربطها بسياقها التاريخي.

حصيلة عقدين من التنقيب

خلال العشرين سنة الماضية، مكنت الأبحاث من استكشاف جزأين مهمين من مدينة تمتد على حوالي 10 هكتارات.
في القسم الشرقي، تم العثور على بقايا مورية مبنية بالطوب، فيما كشف القسم الغربي عن منزل روماني ذي باحة معمّدة، كان معروفا منذ بدايات القرن العشرين، قبل أن تعود الأبحاث الحالية لاستكمال ما لم تصل إليه حفريات سابقة.

طبقات أقدم من وليلي

تظهر المعطيات المتوفرة أن أقدم استيطان بموقع ريغا يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، تعلوه طبقة من القرن الثالث قبل الميلاد، تم تأريخها بواسطة الفخار وتقنية الكاربون 14.
هذه النتائج تضع الموقع في مرتبة زمنية أقدم من وليلي، ما يطرح إعادة نظر في ترتيب بعض المراكز الحضرية القديمة بالمغرب.

معصرة نبيذ وآثار حريق

من أبرز الاكتشافات داخل الموقع، منزل روماني يضم بقايا معصرة للخمور، تتشابه في بنيتها مع معاصر الزيتون، حيث عُثر على معصرتين متجاورتين، إلى جانب جرار كانت تستعمل في تخزين النبيذ.
وأكدت التحاليل المخبرية وجود آثار لنبيذ أحمر، ما يعزز فرضية نشاط إنتاجي مرتبط بزراعة العنب.
كما كشفت الحفريات عن آثار حريق كبير يعود إلى القرن الثالث الميلادي، حيث تم العثور على بقايا عنب متفحم، ما يوثق لحظة دمار مفاجئة داخل هذا الفضاء السكني.

موقع يفرض إعادة القراءة

المعطيات التي تكشفها التنقيبات الجارية تشير إلى أن موقع ريغا لم يكن مجرد تجمع ثانوي، بل فضاء حضري عرف تحولات متعاقبة عبر فترات تاريخية مختلفة.
ومع استمرار الأبحاث، يظل الموقع مفتوحا على فرضيات جديدة قد تعيد رسم جزء من تاريخ الاستيطان البشري بالمغرب القديم، بعيدا عن التصورات الجاهزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى