
منذ تنصيب الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، رفعت شعارات كبرى حول إنعاش سوق الشغل، وتعهدت بإحداث مليون منصب شغل في أفق سنة 2026، في سياق خطاب سياسي حمل وعودا اعتبرها كثيرون آنذاك مدخلاً لتخفيف الضغط الاجتماعي على فئات واسعة من الشباب المغربي؛ غير أن هذه الوعود، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، عادت إلى الواجهة بشكل مغاير، بعدما تحول ملف التشغيل إلى أحد أبرز نقاط الضعف في الحصيلة الحكومية.
الرهان الذي قدمه حزب التجمع الوطني للأحرار، سواء ضمن برنامجه الانتخابي أو عبر التصريح الحكومي، يواجه اليوم اختبار الواقع، في ظل استمرار معدلات البطالة في مستويات مقلقة، وتزايد الإحساس العام بفجوة بين الالتزامات المعلنة والنتائج المحققة على الأرض.
البطالة.. أرقام مقلقة واختلالات مجالية واضحة
تكشف المعطيات المتوفرة أن معدل البطالة بلغ حوالي 13.8 في المائة على الصعيد الوطني، مع تسجيل نسب أعلى في عدد من الجهات، حيث تتجاوز 20 في المائة في بعض المناطق. ويبرز هذا التفاوت بشكل لافت في جهات مثل درعة تافيلالت، سوس ماسة، الشرق، كلميم وادنون، فاس مكناس، ومراكش آسفي، وهي مجالات ترابية تعاني من ضعف النسيج الاقتصادي وقلة الاستثمارات الصناعية الكبرى.
هذا الوضع يعيد طرح إشكالية العدالة المجالية، خاصة في ظل تمركز المشاريع الاقتصادية الكبرى والبنيات الصناعية في محور الدار البيضاء–الرباط–طنجة، مقابل هشاشة اقتصادية في باقي الجهات، ما يعمق الفوارق ويحد من فرص الإدماج المهني للشباب.
مفارقة التكوين وسوق الشغل
رغم توفر عدد من الجهات على مؤسسات للتكوين المهني ومراكز تأهيل الشباب، إلا أن ضعف الربط بين التكوين وسوق الشغل يظل أحد أبرز الاختلالات البنيوية. فمخرجات التكوين لا تجد طريقها بسهولة إلى الإدماج المهني، ما يعكس غياب رؤية مندمجة تجمع بين السياسات التعليمية والاستثمارية والتشغيلية.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة، ومدى قدرتها على تحويل التكوين إلى رافعة فعلية للتشغيل بدل أن يظل مجرد مرحلة معزولة عن دينامية الاقتصاد.
برامج حكومية بنتائج محدودة
في مواجهة أزمة التشغيل، راهنت الحكومة على مجموعة من البرامج، من بينها “فرصة”، و”أوراش”، و”انطلاقة”، غير أن تقييم هذه المبادرات يكشف عن محدودية تأثيرها على المدى المتوسط والبعيد.
برنامج “فرصة”، الذي كان يُفترض أن يدعم المبادرات الفردية، لم يحقق الأثر المنتظر، في ظل صعوبات التمويل والمواكبة. أما برنامج “أوراش”، فقد اقتصر في الغالب على توفير فرص شغل مؤقتة لا تتجاوز بضعة أشهر، دون ضمان استدامة الإدماج المهني. في حين واجه برنامج “انطلاقة” تحديات مرتبطة بالتمويل والاستمرارية، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعاني من ضغوط مالية متزايدة.
رهانات سياسية على محك الواقع
مع اقتراب موعد الانتخابات، يتحول ملف التشغيل إلى ورقة سياسية ثقيلة، قد تؤثر بشكل مباشر على صورة الحكومة وحزبها القائد. فالفشل في تقليص البطالة لا يُقاس فقط بالأرقام، بل أيضاً بتراجع الثقة في الوعود السياسية، خاصة لدى فئة الشباب التي كانت الأكثر استهدافاً في الخطاب الانتخابي.
في ظل هذه المعطيات، يجد الفريق الحكومي نفسه أمام ضرورة تقديم حصيلة مقنعة، أو على الأقل تفسير الفجوة بينالوعود والإنجازات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
وبين طموح إحداث مليون منصب شغل وواقع سوق شغل متعثر، يظل السؤال مطروحاً حول قدرة السياسات العمومية الحالية على تصحيح المسار، أم أن ملف التشغيل سيظل عنواناً لأزمة بنيوية تتجاوز عمر حكومة واحدة.




