
في مشهد يعكس هشاشة التوازنات داخل السوق المالية، استهلت بورصة الدار البيضاء تداولات يوم الخميس على وقع تراجع ملحوظ، كأن نشوة الارتفاع التي أنهت بها جلسة الأربعاء لم تكن سوى استراحة قصيرة في مسار متقلب بطبيعته.
المؤشر الرئيسي “مازي” انخفض بنسبة 1,83 في المائة ليستقر عند 17.191,63 نقطة، وهو تراجع لا يمكن قراءته فقط كرقم تقني، بل كمؤشر على مزاج عام يتأرجح بين التفاؤل الحذر والخوف الكامن في خلفية قرارات المستثمرين.
تقلبات السوق: قراءة في مزاج المستثمرين
يعكس الانخفاض الذي طال أيضا مؤشر “MASI.20” بنسبة 2,15 في المائة ضغطا واضحا على كبريات المقاولات المدرجة، وهي عادة ما تشكل العمود الفقري للثقة داخل السوق، وحين تتراجع هذه القاطرة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الأمر مجرد تصحيح تقني بعد صعود قوي، أم بداية موجة حذر أوسع تغذيها معطيات اقتصادية أقل إشراقا، فالمستثمر، خصوصا المحلي، لا يتحرك فقط بالأرقام، بل أيضا بالإشارات غير المعلنة حول آفاق النمو والسيولة.
أما مؤشر “MASI.ESG” ، الذي يفترض أن يعكس متانة الشركات ذات التصنيف الجيد، فقد انخفض بدوره بنسبة 1,85 في المائة، في مفارقة ساخرة توحي بأن “الالتزام” لم يعد درعا واقيا في زمن تتقدم فيه البراغماتية على المبادئ داخل الأسواق المالية.
الشركات الصغرى… الحلقة الأضعف دائما
في الزوايا الأقل إضاءة من السوق، سجل مؤشر “MASI Mid and Small Cap” تراجعا بنسبة 1,15 في المائة، وهو ما يعيد طرح السؤال المزمن حول هشاشة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، هذه الفئة، التي تقدم في الخطابات الرسمية كقاطرة للتشغيل والنمو، تبدو في الواقع أول من يدفع ثمن التقلبات، وآخر من يستفيد من الانتعاش، هنا تتحول البورصة إلى مرآة تعكس اختلالا أعمق في بنية الاقتصاد، حيث تتسع الفجوة بين الكبار والصغار بشكل يكاد يكون بنيويا.
بين اقتصاد الواقع وسياسة الأرقام
تكمن المفارقة الأكثر إثارة في التباين الصارخ بين ارتفاع الأمس بنسبة 2,62 في المائة والانخفاض الحاد في اليوم الموالي، وهو ما يكشف أن السوق لا تستند دائما إلى أسس صلبة بقدر ما تتحرك على وقع توقعات سريعة التأثر، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أداء البورصة عن السياق الاقتصادي العام، حيث يظل النمو محدودا والتضخم ضاغطا، بينما تتأرجح السياسات العمومية بين الطموح والواقع.
في النهاية، تبدو بورصة الدار البيضاء كأنها تروي قصة اقتصاد يحاول إقناع نفسه بالقوة، بينما تكشف الأرقام، في لحظات الصدق القليلة، عن قلق عميق لا يمكن إخفاؤه طويلا خلف اللون الأخضر المؤقت.





