
تكشف نتائج دراسة “TALIS 2024″عن مفارقة يصعب ابتلاعها دون مرارة: في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الأستاذ حامل مشعل المعرفة، تُظهر الأرقام أنه بالكاد يحمل ما يكفي لإضاءة طريقه.. حيث لا تتجاوز نسبة الأساتذة الحاصلين بالمغرب على الاجازة 63% في سلك الثانوي الإعدادي، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى مقبولاً، قبل أن نكتشف أن ما يقرب من الثلث يدرّسون دون هذا الحد الأدنى من التأهيل الأكاديمي، أما حاملو الماستر فلا يشكلون سوى 18%، مقابل 57% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بل وتتجاوز النسبة 90% في دول أوروبية مثل فنلندا والبرتغال، وهنا، لا يعود السؤال: لماذا يتراجع التعليم؟ بل: كيف صمد كل هذا الوقت؟
الابتدائي… حيث تبدأ الفجوة مبكراً
إذا كان الإعدادي يعاني، فإن الابتدائي يعيش أزمة صامتة. فقط 8% من المدرسين حاصلون على الماستر، مقابل معدل دولي يبلغ 23.5%.. في دول مثل سلوفينيا، تصل النسبة إلى 69%، ما يجعل المقارنة أقرب إلى مشهد ساخر منه إلى تحليل موضوعي، فكيف نطالب طفلًا ببناء أساس معرفي متين، بينما من يضع له هذا الأساس لم يُمنح الأدوات الكافية أصلاً؟ إنها أشبه بمحاولة بناء ناطحة سحاب على أرض رخوة، ثم الاستغراب من ميلانها.
اقتصاد التعليم: حين تتحول الكلفة إلى عبء لا استثمار
وراء هذه الأرقام تختبئ حسابات اقتصادية باردة.. في بلد لا ينظر للاستثمار في تكوين الأساتذة كرافعة للتنمية، بل ككلفة يمكن تقليصها، وبدل رفع مستوى التوظيف والتكوين، يتم اللجوء إلى حلول ترقيعية: توظيف سريع، تكوين مختصر، وأجور لا تغري بالكفاءة.. والنتيجة؟ سوق شغل تعليمي يعاني من”هجرة داخلية” نحو قطاعات أخرى، أو “هجرة خارجية” نحو دول تقدّر الكفاءة، وهكذا، يتحول التعليم من استثمار طويل الأمد إلى نزيف مستمر.
البعد الاجتماعي: حين يفقد الأستاذ هيبته
في مجتمع يربط المكانة الاجتماعية بالمستوى العلمي، يصبح الأستاذ ضعيف التأهيل ضحية مزدوجة: من جهة، يُطلب منه أداء مهام تربوية معقدة، ومن جهة أخرى، يُنظر إليه كحلقة أضعف في منظومة مهترئة، ومع تراجع الهيبة، يتراجع الانضباط، وتتحول المدرسة إلى فضاء للتدبير اليومي بدل أن تكون فضاءً للتعلم.. إنها حلقة مفرغة: ضعف التكوين يؤدي إلى ضعف الأداء، الذي يؤدي بدوره إلى فقدان الثقة، وهكذا دواليك.
سياسياً… إصلاحات بلا ذاكرة
سياسياً، تبدو الإصلاحات التعليمية كأنها تُكتب على رمال متحركة.. كل مخطط يأتي لينقض ما قبله، دون تقييم حقيقي أو مساءلة، والحديث عن “تجويد التعليم” يصبح شعاراً أكثر منه مشروعاً، بينما تستمر الفجوة في الاتساع.. في النهاية، لا تكون الأزمة في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لتطبيقها.
تعليم على حافة المفارقة
بين أرقام “TALIS” وواقع الفصول الدراسية، تتجلى مفارقة قاسية: نظام تعليمي يطلب الكثير من أساتذة لم يُمنحوا ما يكفي، وفي ظل هذا التناقض، يصبح الأمل في الإصلاح شبيهاً بمحاولة إصلاح ساعة متوقفة… دون الاعتراف أولاً بأنها لا تعمل.





