
أعاد “صفقة الأدوية” إلى واجهة الجدل في تطور مفاجئ، حيث كشف عبد الله بووانو أن النيابة العامة دخلت رسمياً على خط القضية، في خطوة اعتبرها مراقبون بأنها قد تقلب ميزان القوى بين البرلمان والحكومة.
في السياق ذاته، بدا واضحاً أن حزب العدالة والتنمية يتحرك بكل ما يملك من أدوات لاستغلال أخطاء الحكومة إلى أقصى الحدود، أملاً في إعادة تموضعه داخل المشهد السياسي الذي همّش حضوره منذ خروجه من السلطة.
بووانو، ايحرص أن يقدم نفسه كصوت المعارضة الأكثر إصراراً، حيث قال، إن دخول القضاء لن يثني حزبه عن التمسك بلجنة تقصي الحقائق البرلمانية، معتبراً أن هذا المسار هو “المعركة الحقيقية” في مواجهة ما وصفه بـ”الضباب الكثيف” الذي يحيط بصفقة أثارت شكوكا غير مسبوقة حول تضارب المصالح في قطاع حساس وحيوي.
الحكومة في الزاوية… والعدالة والتنمية يضغط بقوة
إن توقيت تحرك العدالة والتنمية ليس بريئاً. إذ هو يدرك تماما، أن ملف الأدوية قد يتحول إلى نقطة انهيار في صورة الحكومة، خصوصاً مع اتساع الحديث عن تدخلات وامتيازات وتلاعبات في صفقات ضخمة، لذلك يسعى الحزب إلى تقديم نفسه كحارس للمال العام، مستفيداً من الفراغ الرقابي الذي تراكم في السنوات الأخيرة.
وفق مراقبين، يحاول الحزب تحويل “سقطة حكومية” إلى منقذ سياسي يعيد إليه جزءاً من شرعيته الأخلاقية وفائدته الانتخابية. وكلما ارتبكت الحكومة في تبرير الملف، زادت الضغوط التي يمارسها الحزب عبر بووانو وغيره من رموزه.
بووانو، بنبرة فيها الكثير من الحذر والكثير من الرسائل غير المعلنة، قال إنه يقدّر عمل النيابة العامة، لكنه يرى أن تدخّلها قد يضعف دور البرلمان. هذا الكلام، في خلفيته، يعيد طرح السؤال الكبير:
هل تدخل القضاء خطوة لحماية العدالة والشفافية، أم هو صمّام سياسي لمنع لجنة تقصي الحقائق من الاقتراب أكثر من “النواة الصلبة” للصفقة؟
ملف الأدوية يرتبط بقطاع تتداخل فيه مصالح قوية، من شركات تصنيع كبرى إلى مستوردين ولوبيات طبية، وكلما تعمق النقاش السياسي، ظهرت طبقات جديدة من المصالح غير المعلنة.
معركة التقصي… معركة تموضع سياسي
حزب العدالة والتنمية لا يخفي أن معركة “صفقة الأدوية” بالنسبة إليه تتجاوز الأخلاق والرقابة؛ إنها فرصة استراتيجية لإثبات أن الحكومة الحالية تعاني ارتباكاً حقيقياً في إدارة الملفات الحساسة، وأن غياب الشفافية قد يكون “نقطة ضعفها القاتلة” التي تمكّن المعارضة من إعادة بناء حضورها بعد سنوات من التراجع.
لهذا يتمسك الحزب بلجنة تقصي الحقائق، لأنها ليست مجرد أداة برلمانية، بل منصة سياسية لاسترجاع المبادرة، ولإظهار الفارق بينه وبين حكومة تواجه اتهامات سوء التدبير وتضارب المصالح.
علينا، أن نقدر في ارتباط بقراءة موضوعية للحقل السياسي المغربي أننا، أمام محدودية سلطة البرلمان في إخضاع الحكومة للمراقبة، إذ، بالرغم من الجدل الذي أثارته صفقة الأدوية، تكشّفت مرة أخرى محدودية قدرة البرلمان على ممارسة رقابته الفعلية على السلطة التنفيذية. فآليات المراقبة التي يفترض أن تكون صلبة، وهي من طلبات الإحاطة إلى المساءلة ومن اللجان الدائمة إلى لجان التقصي، أنها في لحظات الاختبار محكومة بمنطق الأغلبية أكثر مما هي خاضعة لروح الدستور.
وأنه، ما أن نلامس الأسئلة ومناطق حساسة داخل أجهزة الدولة وامتدادتها، أو داخل دوائر القرار الحكومي، حتى تنكمش الجسارة البرلمانية، ويتحوّل النقاش إلى تمرين شكلي يُفرغ المراقبة من مضمونها.
إن كل ذلك يوضح، أن القضية تُعيد إبراز معضلة أعمق: وفيها تداخل المصالح بين الفاعلين السياسيين ومن مستويات أصلا ليست في المشهد السياسي ولا ضمن قواعده، حتى وان ظهر أحياناً أنها داخل الجهاز الحكومي، بما يجعل أي محاولة لكشف الخيوط أو مساءلة المسؤوليات تبدو أقرب إلى تهديد للخريطة الداخلية من كونها مطلباً ديمقراطياً عادياً.
ببساطة، نحن أمام بعض الصفقات المحاطة بشبهات تضارب مصالح، وببساطة يظهر أنها تتقاطع مع شبكات النفوذ بين السياسة والاقتصاد، و البرلمان بصلاحيتها الحالية عاجزاً عن الذهاب بعيداً في التحقيق. وهنا يبدأ “التفاهم الضمني” الذي يحمي أطرافاً ويترك أخرى، ويحوّل آليات الرقابة إلى مجرد واجهة مؤسساتية.
دعونا هنا نقدر، أن العدالة والتنمية يسعى لإعادة التموقع، في مقابل هذا المشهد الضحل، حيث يظهر حزب العدالة والتنمية وكأنه الأكثر حماسة لفتح ملفات التحقيق وإبراز “الاختلالات”، لكنه يفعل ذلك، بقدر لا يمكن فصله عن رغبته العميقة في إعادة التموقع داخل الحقل السياسي.
إنه، الحزب الذي تلقّى ضربات انتخابية مؤلمة وهو يبحث اليوم عن نافذة للعودة إلى مركز النقاش العمومي، ويعتبر صفقة الأدوية فرصة لإظهار نفسه كصوت معارض عالي النبرة وكفاعل لا يزال قادراً على فرض روزنامته في المشهد.
اقرأ أيضا…
تحليل إخباري: جدل تراخيص الأدوية…بووانو يتهم والوزارة تردّ في منتصف الليل





