
تحرير: بثينة المكودي
لم تكن تصريحات إدريس بنهيمة مجرد قراءة تقنية لوضع اقتصادي متعثر، بل جاءت أقرب إلى شهادة من الداخل، صريحة ومباشرة، تكشف اختلالاً عميقاً في أحد أهم أعمدة التنمية بالمغرب: التعليم.
بنهيمة، الذي راكم تجربة طويلة في تدبير مؤسسات استراتيجية، لم يلجأ إلى لغة المجاملة، بل اختار توصيفاً حاداً يضع الأصبع على مكمن الخلل: أزمة ثقة في الكفاءات، أصلها منظومة تعليمية غير قادرة على مواكبة حاجيات الاقتصاد.
أزمة ثقة تعطل الاستثمار
من بين أبرز ما ورد في تصريحاته، حديثه عن عزوف صناديق الدولة عن الاستثمار، ليس بسبب ضعف الموارد المالية، بل بسبب غياب الثقة في حاملي المشاريع.
“لا نعرف مع من نستثمر”، عبارة تختزل وضعاً مقلقاً، حيث تتحول الإمكانيات المالية إلى رأسمال غير موظف، في ظل غياب كفاءات قادرة على تقديم مشاريع قابلة للتنفيذ ومقنعة للمؤسسات التمويلية.
هذا المعطى يعكس تحوّلاً في طبيعة الإشكال: من نقص في التمويل إلى أزمة ثقة في العنصر البشري.
اختلال في بنية الاستثمار
تشير المعطيات التي قدمها بنهيمة إلى أن ثلثي الاستثمارات في المغرب تأتي من القطاع العام، مقابل حضور محدود للقطاع الخاص.
وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على خلق دينامية استثمارية مستقلة، يقودها الفاعل الخاص، بدل الاعتماد المفرط على الدولة.
في هذا السياق، يرى بنهيمة أن ضعف الكفاءات المؤهلة لإعداد مشاريع واقعية يظل من بين أبرز العوامل التي تفسر هذا التراجع.
نجاحات قطاعية… دون امتداد شامل
رغم تسجيل بعض النجاحات في قطاعات مثل صناعة الطيران، إلا أن هذه الدينامية تبقى، بحسب المتحدث، محدودة الأثر.
فالاستثمارات الأجنبية لعبت دوراً محورياً في تحقيق هذه النتائج، في حين يظل الإنتاج المحلي للكفاءات غير كافٍ لضمان استدامة هذا التطور أو تعميمه على باقي القطاعات.
التعليم في قلب المعادلة
يربط بنهيمة بشكل مباشر بين ضعف الاستثمار وتراجع جودة التعليم، معتبراً أن المنظومة التعليمية الحالية لا تفرز الكفاءات المطلوبة لسوق الشغل.
وفي هذا الإطار، أشار إلى مفارقة لافتة، تتمثل في وجود خريجين بشهادات عليا، لكن دون امتلاك المهارات الأساسية، مثل القدرة على إعداد تقارير مهنية أو تدبير مشاريع.
هذا الخلل، وفق نفس التصريح، ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين، سواء كانوا مؤسسات عمومية أو فاعلين خواص.
تجارب دولية ملهمة
في مقابل هذا الوضع، استحضر بنهيمة نماذج دول آسيوية، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي استطاعت تحقيق معدلات نمو مرتفعة رغم محدودية مواردها الطبيعية.
ويعزى هذا النجاح، أساساً، إلى الاستثمار في التعليم والتكوين، وربطهما بشكل مباشر بحاجيات الاقتصاد.
كفاءات تنجح بالخارج… وتتعثر داخلياً
من بين النقاط التي توقف عندها بنهيمة، نجاح المغاربة في الخارج، مقابل تعثرهم داخل البلاد.
وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالية مرتبطة بالبيئة المؤسساتية والتعليمية، التي لا تتيح نفس شروط التطور والابتكار المتوفرة في الخارج.
الحاجة إلى إصلاح جذري
تخلص تصريحات بنهيمة إلى نتيجة واضحة: لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي دون إصلاح عميق لمنظومة التعليم.
فالرأسمال البشري يظل، في نظره، المحدد الأساسي لأي دينامية استثمارية أو تنموية.
بين التشخيص والفعل
تفتح هذه التصريحات نقاشاً واسعاً حول أولويات السياسات العمومية، خاصة في ما يتعلق بإصلاح التعليم وربطه بسوق الشغل.
كما تطرح تحدياً حقيقياً أمام مختلف الفاعلين، من أجل إعادة بناء الثقة، سواء داخل المنظومة الاقتصادية أو بين المؤسسات والكفاءات الوطنية.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة، كما يقدمها بنهيمة، مجرد اختلال ظرفي، بل مؤشر على حاجة ملحة لإعادة النظر في النموذج التنموي، انطلاقاً من المدرسة.





