
تحرير: جيهان مشكور
تتحرك السلطات المغربية على إيقاع تهديد بيئي قديم يتجدد بملامح أكثر تعقيداً، فأسراب الجراد، القادمة من تخوم جغرافية مضطربة مناخياً، لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي في سياق دولي متقلب،حيث تؤكد التقارير الأخيرة رفع درجة التأهب، في مشهد يعكس وعياً بأن المعركة هذه المرة ليست فقط ضد حشرة، بل ضد اختلالات مناخية واقتصادية متشابكة.
39 ألف هكتار تحت القصف الكيميائي
تكشف المعطيات الميدانية أن التدخل كان واسع النطاق، حيث جرى رش ما يقارب 39 ألف هكتار بمبيدات حشرية متطورة.. رقم يبدو للوهلة الأولى مطمئناً، لكنه يخفي وراءه كلفة مالية وبيئية لا يستهان بها، إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مكافحة الجراد في شمال إفريقيا قد تكلف عشرات الملايين من الدولارات سنوياً في فترات الذروة.. ما يعني تعبئة المغرب لموارد لوجستية ضخمة، من فرق برية وجوية، في سباق مع الزمن لاحتواء انتشار أسراب قادرة على التهام ما يعادل استهلاك آلاف الأشخاص في يوم واحد.
الجنوب والشرق في عين العاصفة المناخية
في هذا السياق، تتجه الأنظار نحو المناطق الجنوبية والشرقية، حيث ساهمت التساقطات غير المنتظمة وارتفاع درجات الحرارة في خلق بيئة مثالية لتكاثر الجراد، و هنا تتقاطع معطيات المناخ مع هشاشة البنية الفلاحية، حيث يعتمد آلاف الفلاحين على محاصيل موسمية بالكاد تصمد أمام تقلبات الطبيعة، والمفارقة أن هذه المناطق نفسها تعاني أصلاً من ضغط الجفاف، لتجد نفسها اليوم أمام تهديد مزدوج: ندرة المياه وغزو الجراد، في مشهد يختزل اختلال التوازن البيئي الذي تعيشه المنطقة.
بين حماية الفلاحين وحسابات الأمن الغذائي
تعكس تحركات كل من وزارة الفلاحة و”أونسا” إدراكاً لحجم المخاطر، فالأمر لا يتعلق فقط بحماية محاصيل، بل بضمان استقرار منظومة غذائية برمتها، وتشير أرقام رسمية إلى أن القطاع الفلاحي يساهم بحوالي 14% من الناتج الداخلي الخام ويوفر مصدر رزق لنحو 40% من السكان النشطين في الوسط القروي، وأي خلل في هذا القطاع يترجم سريعاً إلى ضغط اجتماعي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً، وهكذا يصبح الجراد، بشكل ساخر وقاسٍ، فاعلاً غير مرئي في معادلة الاستقرار الاجتماعي.
يقظة دائمة على حدود مفتوحة بيئياً
تعتمد السلطات على مراقبة دقيقة لتحركات الأسراب القادمة من دول الجوار، في اعتراف ضمني بأن الحدود السياسية لا تعني شيئاً أمام ظواهر بيئية عابرة،
يظل هذا التنسيق الإقليمي محدوداً أمام اتساع رقعة الظاهرة، ما يطرح سؤالاً حول مدى جاهزية المنطقة ككل لمواجهة كوارث بيئية متكررة.. وبينما تُسجل جاهزية مغربية ملحوظة في سرعة التدخل، يبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق الاستباق، في زمن لم تعد فيه الأزمات تأتي فرادى، بل في شكل موجات متلاحقة تختبر قدرة الدول على الصمود.





