اقتصادالرئسية

المغاربة يقودون الطلب العقاري في إسبانيا

تشهد السوق العقارية الإسبانية مع نهاية سنة 2025 تحولا بنيويا عميقا، لم يعد فيه الأجنبي “السائح المستثمر” هو الفاعل الرئيسي، بل برز الأجنبي المقيم كلاعب حاسم يعيد رسم ملامح الطلب، في هذا السياق، تكشف بيانات المجلس العام للموثقين، التي نقلتها منصة “إنفوباي”، عن تراجع إجمالي معاملات شراء الأجانب بنسبة 4,4% ليستقر العدد عند 66.629 عملية خلال النصف الثاني من السنة، وهو ما يعكس تباطؤا نسبيا في جاذبية السوق الخارجية، غير أن هذا الانخفاض يخفي دينامية معاكسة في الداخل، حيث ارتفعت حصة الأجانب المقيمين إلى 62,8% بنمو قدره 3,3%، مقابل انهيار ملحوظ بنسبة 15,1% في معاملات غير المقيمين.

المغاربة في الصدارة: حضور اقتصادي بأبعاد اجتماعية

وسط هذا التحول، يتصدر المغاربة قائمة المشترين الأجانب المقيمين بنسبة 12,1%، متفوقين على جنسيات أوروبية تقليدية مثل الرومانيين (9,3%) والإيطاليين (9,2%).. هذا التقدم لا يعكس فقط قدرة شرائية، بل يشير إلى تحول اجتماعي أعمق مرتبط باستقرار الجالية المغربية في إسبانيا، والتي يتجاوز عددها 800 ألف نسمة وفق تقديرات رسمية، فاقتناء العقار هنا لم يعد مجرد استثمار، بل تحول إلى آلية للاندماج الاجتماعي وضمان الاستقرار الأسري، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإيجار وتذبذب سوق العمل.

انتشار جغرافي يكشف استراتيجية مختلفة

لا يقتصر الحضور المغربي على المدن الكبرى أو السواحل السياحية، بل يمتد إلى مناطق داخلية مثل مورسيا ونافارا وأراغون ولا ريوخا، إضافة إلى الأندلس وكاتالونيا.. هذا التوزيع الجغرافي يعكس توجها براغماتيا نحو العقار الأقل تكلفة والأكثر ارتباطا بفرص العمل، خصوصا في قطاعات الفلاحة والخدمات.. في المقابل، يظل الطلب الأجنبي غير المقيم متركزا في المناطق الساحلية، حيث تستحوذ فالنسيا وحدها على 40% من العمليات، تليها الأندلس بـ25,3%، في نموذج استثماري موسمي يعتمد على السياحة والعائدات القصيرة الأمد.

الأسعار ترتفع… والمفارقة تتعمق

ورغم تراجع عدد العمليات، تواصل الأسعار منحاها التصاعدي، حيث بلغ متوسط سعر المتر المربع لدى الأجانب 2.479 يورو، بزيادة 5%، متجاوزا بكثير متوسط الأسعار لدى الإسبان (1.839 يورو)، غير أن المفارقة تكمن في التفاوت داخل الفئة الأجنبية نفسها: إذ يدفع غير المقيمين حوالي 3.242 يورو للمتر المربع، مقابل 1.963 يورو للمقيمين، بينما لا يتجاوز متوسط ما يدفعه المغاربة 768 يورو، وهو رقم يكشف عن تموقعهم في الشريحة الدنيا من السوق، بحثا عن الاستقرار لا المضاربة، هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلاف القوة الشرائية، بل يفضح أيضًا الطبقية الصامتة التي تحكم سوق السكن في إسبانيا.

خلف المشهد العقاري: ديموغرافيا تفسّر الاقتصاد

وتكتسب هذه الأرقام معناها الكامل إذا وضعناها في سياقها الديموغرافي، فحسب المعهد الوطني للإحصاء الإسباني، بلغ عدد سكان إسبانيا 49.128.297 نسمة في 1 يناير 2025، وكان 14,1% منهم من ذوي الجنسية الأجنبية، فيما ظل المغاربة أكبر جالية أجنبية بعدد 968.999 شخصًا، لهذا يبدو حضورهم في العقار امتدادًا طبيعيًا لواقع سكاني واجتماعي أعمق: جالية مستقرة، تتوسع عدديًا، وتبحث عن موقع دائم داخل البلد الذي تعيش وتعمل فيه.

دلالات اقتصادية وسياسية: من الهامش إلى التأثير

تعكس هذه المعطيات تحولا تدريجيا في بنية السوق العقارية الإسبانية، حيث أصبح الطلب يعتمد بشكل متزايد على الأجانب المقيمين، وفي مقدمتهم المغاربة، ما يحمل أبعادا اقتصادية واضحة، من خلال دعم الطلب الداخلي، لكنه يطرح أيضا تساؤلات سياسية حول سياسات الإدماج والسكن، خاصة في ظل الضغط المتزايد على البنية التحتية والخدمات.. وبينما يتراجع المستثمر الأجنبي العابر، يرسخ المقيمون الجدد، وعلى رأسهم المغاربة، حضورا هادئا لكنه مؤثر، يعيد تشكيل سوق العقار من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى