
بينما يواصل المغاربة مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وأزمات التشغيل والصحة والتعليم، انعقد مجلس الحكومة هذا الأسبوع ليصادق على سلسلة من مشاريع القوانين والمراسيم التي تبدو، في ظاهرها، جزءاً من مسار تحديث الإدارة والقطاعات العمومية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: إلى أي حد تلامس هذه القرارات فعلاً انشغالات المواطنين اليومية؟
إصلاح الإدارة.. هل يكفي تغيير الأسماء؟
خصصت الحكومة جزءاً مهماً من أشغالها لتعديل قانون المدرسة الوطنية العليا للإدارة والعودة إلى تسميتها السابقة، مع تحسين وضعية الطلبة والخريجين.
ورغم أهمية تأهيل الأطر الإدارية وتطوير مسارات تكوينها، فإن هذا القرار يظل محدود الأثر بالنسبة لشرائح واسعة من الشباب العاطل عن العمل، الذين ينتظرون سياسات قادرة على خلق فرص الشغل أكثر من انتظار تغيير أسماء المؤسسات أو مراجعة أنظمتها الداخلية.
فالرهان الحقيقي بالنسبة للمغاربة لا يتعلق فقط بإصلاح مؤسسات تكوين النخب الإدارية، بل بمدى انعكاس هذه الإصلاحات على جودة الخدمات العمومية ومحاربة البيروقراطية وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن.
الصحة.. تنظيم الانتقالات بدل معالجة الخصاص
في قطاع الصحة، صادق المجلس على مرسوم يتعلق بتنظيم الحركة الانتقالية لمهنيي الصحة. غير أن هذا الإجراء الإداري لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالنقص الحاد في الموارد البشرية، والهجرة المتواصلة للأطباء والممرضين، واستمرار معاناة المواطنين في عدد من المناطق مع ضعف الخدمات الصحية وطول مواعيد العلاج.
فالمواطن الذي يقطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى طبيب مختص أو ينتظر شهوراً لإجراء فحص طبي لا يهمه كثيراً شكل التنظيم الإداري بقدر ما يهمه توفر العلاج والأطر الصحية والتجهيزات الضرورية.
الجامعة المغربية.. إعادة هيكلة أم حل للأزمات؟
أما في التعليم العالي، فقد ركزت الحكومة على إعادة هيكلة بعض المؤسسات الجامعية وتحويل كليات متعددة التخصصات إلى مؤسسات مستقلة. ورغم أن هذا التوجه قد يحمل بعض المكاسب التدبيرية، فإنه لا يقدم حلولاً واضحة لمعضلات الاكتظاظ وضعف البحث العلمي وهشاشة التشغيل بعد التخرج.
ولا تزال العديد من المدن والأقاليم تعاني من خصاص كبير في البنيات الجامعية والأحياء الطلابية، ما يضطر آلاف الطلبة إلى تحمل تكاليف إضافية أو مغادرة مناطقهم من أجل متابعة الدراسة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الإصلاحات الهيكلية على تحقيق العدالة المجالية المنشودة.
الغائب الأكبر.. القدرة الشرائية
أبرز ما يلفت الانتباه في جدول أعمال المجلس هو غياب نقاشات معلنة حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وأوضاع العالم القروي المتضرر من الجفاف.
ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطنون ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، كان ينتظر كثيرون إجراءات أكثر وضوحاً لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر.
التعيينات العليا.. الكفاءة أم استمرار منطق المناصب؟
كما اختتم المجلس أشغاله بالمصادقة على تعيينات جديدة في مناصب عليا بعدد من القطاعات الحكومية. ورغم أن التعيين في هذه المناصب يدخل ضمن السير العادي للمؤسسات، فإن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى قدرة المسؤولين الجدد على تحقيق نتائج ملموسة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمغاربة لم يعودوا يقيمون المسؤولين بناء على أسمائهم أو مناصبهم، بل بناء على ما يحققونه من أثر فعلي في حياة المواطنين وجودة الخدمات العمومية.
بين النصوص القانونية وانتظارات المواطنين
صحيح أن الحكومة صادقت على مجموعة من النصوص القانونية واطلعت على اتفاقيات دولية مهمة، غير أن هذه القرارات تبدو أقرب إلى تدابير تنظيمية وتقنية منها إلى أجوبة مباشرة عن التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.
إن ما يحتاجه المغاربة اليوم ليس فقط المزيد من القوانين والمراسيم وإعادة هيكلة المؤسسات، بل مؤشرات واضحة على أثر السياسات العمومية في حياتهم اليومية. فنجاح أي إصلاح لا يقاس بعدد النصوص المصادق عليها، بل بقدرته على إحداث تغيير حقيقي يشعر به المواطن في المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل.
ويبقى السؤال هل تمثل هذه القرارات بداية إصلاحات عميقة تمس جوهر الإشكالات التي تؤرق المغاربة، أم أنها مجرد إجراءات إدارية جديدة ستنضم إلى أرشيف النصوص القانونية دون أن تغير كثيراً من واقعهم؟
اقرأ ايضا…





