الرئسيةمجتمع

الأرز المستورد يكتسح السوق المغربية وتحقيق وقائي

تحقيق وقائي أم إنذار متأخر؟

تحرير: جيهان مشكور/ أعلنت وزارة الصناعة والتجارة فتح تحقيق وقائي بخصوص واردات الأرز الموجه للاستهلاك المباشر، في مشهد يعكس ارتباك السياسات التجارية أكثر مما يعكس حزمها، ما ينذر بتفاقم اختلالات بنيوية في السوق الوطنية. فالأمر لا يتعلق فقط بأرقام صاعدة أو شكايات مهنية، بل بسؤال أكبر: كيف تحولت سوق يفترض أن تكون محمية نسبياً إلى ساحة مفتوحة لإغراق خارجي يكاد يبتلع الإنتاج المحلي؟

أرقام صادمة تكشف عمق الخلل

تضعنا المعطيات الرسمية الواردة في إشعار الوزارة أمام قفزة غير مسبوقة في حجم الواردات، إذ انتقلت من أقل من 55 ألف طن سنة 2022 إلى ما يفوق 118 ألف طن سنة 2025، أي بزيادة تفوق %116، لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس هذا الارتفاع المطلق، بل تضخم حصة الواردات مقارنة بالإنتاج الوطني، حيث قفزت من حوالي %140 إلى أكثر من %800 خلال الفترة نفسها، ما يعكس منافسة غير متكافئة، بل ان هذه الأرقام تشير إلى شبه انهيار لقدرة الإنتاج المحلي على الصمود، وكأن السوق تُعاد صياغتها وفق قواعد خارجية لا تراعي توازناتها الداخلية.

شركات تحت الضغط أم احتكار مهدد؟

اللافت أن التحقيق جاء بناءً على طلب شركتين تمثلان %78 من الإنتاج الوطني، ما يفتح الباب أمام قراءة مزدوجة, فمن جهة، يمكن فهم الخطوة كدفاع مشروع عن قطاع مهدد، ومن جهة أخرى، تثير هذه النسبة المرتفعة تساؤلات حول طبيعة السوق نفسها: هل نحن أمام قطاع متنوع فعلاً أم أمام شبه احتكار يخشى فقدان امتيازاته؟ وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف، عالقاً بين أسعار قد ترتفع إذا فُرضت قيود على الواردات، وجودة قد تتراجع إذا غابت المنافسة.

تفاصيل تقنية تخفي رهانات كبرى

و يستهدف التحقيق منتجات محددة تحت بنود جمركية دقيقة تشمل الأرز الأبيض والمبخّر، مستثنياً أنواعاً مثل البسمتي، وهو استثناء يبدو تقنياً لكنه يحمل دلالات استهلاكية واضحة، إذ يهم فئات ذات قدرة شرائية أعلى، و يكشف هذا التفصيل أن المسألة لا تتعلق فقط بحماية الإنتاج، بل أيضاً بإعادة توزيع السوق وفق شرائح استهلاكية، ما يعكس تداخلاً بين القرار الاقتصادي والاعتبارات الاجتماعية.

بين الحماية والتأخر في القرار

يمنح الاستناد إلى المادة 55 من قانون تدابير الحماية التجارية التحقيق شرعية قانونية، لكنه لا يخفي حقيقة أن التدخل جاء متأخراً، بعد أن بلغ الاختلال مستويات يصعب تداركها بسرعة، فالحماية التجارية، حين تُفعل بعد وقوع الضرر، تتحول من أداة استباقية إلى مجرد محاولة لاحتواء أزمة قائمة.

بين السوق والسيادة الغذائية

تتجاوز القضية تتجاوز مجرد أرقام أو بنود جمركية، لتلامس إشكالية أعمق تتعلق بالسيادة الغذائية.. فالاعتماد المتزايد على الواردات في مادة أساسية مثل الأرز يجعل البلاد رهينة لتقلبات الأسواق الدولية، وهو ما برز جليا خلال أزمات عالمية سابقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى