
قطر وسقوط سردية “راعية القضية الفلسطنية”
بقلم: الاعلامي والروائي خالد أخازي
من وجهة نظري التي لا تلزم أحدا ، لم تكن الدوحة أبدا “كعبة المضيوم” كما تحب أن تروج إعلاميا عبر قنواتها الملونة التي تخلط بين الأغاني التراثية ونداءات “القدس عربية”… والتي لم تسلم منها حتى وحدتنا الترابية، ضمن منطق الدوحة ” الابتزاز غير الرسمي”…لا… الدوحة كانت دائما “فندق ترويض” سياسيا فاخرا، لكن تسجل فيه النزلاء دخولهم بجوازات سفر تحمل شعارات الثورة والمقاومة، لكن إدارة الفندق تحتفظ بحق “الإخلاء الفوري” عند أول إشارة من “الجهة الضامنة” الأمريكية…
ما الذي يحدث اليوم مع قيادات حماس المهددة بالطرد
أنا لا أقول هذا بدافع التعصب، بل بدافع من مراقبة نمط متكرر من السلوك القطري الذي يعيد تعريف كلمة “الوساطة” لتصبح أقرب إلى “التجارة بالبشر سياسيا”، فما الذي يحدث اليوم مع قيادات حماس المهددة بالطرد، وفق التسريبات العبرية التي لم نعد نستغربها؟
القرار لم يكن مفاجئا، ضمن “دورة غسيل” جديدة في غسالة العلاقات القطرية التي تتقنها الدوحة: تدخل الأطياف نظيفة، وتخرج مبهرة ثم ترمى في الزاوية بعد انتهاء البرنامج.
لطالما نظرت شخصيا إلى قطر كنموذج فريد في “الانتهازية الجيوسياسية”، حيث يقاس الولاء ليس بثبات المبادئ، بل بمرونة “جهاز قياس الضغط الأمريكي”.
هذه الإمارة الصغيرة التي امتلأت رئتاها بالغاز الطبيعي، ظنت أن الثروة تستبدل “الجذور” وتشتري “الكرامة”، وها هي تكتشف أن واشنطن لا تعرف معنى “الصديق القديم”، بل تعرف فقط معنى “العميل المفيد الآن”، لذا، عندما شعر المسؤولون القطريون أن حركة حماس أصبحت “عبئا استثماريا” يرفع أسعار التأمين على علاقاتهم مع إسرائيل والبيت الأبيض، لم يترددوا لبرهة في تحويل “الاحتضان” إلى “خذلان” نظيف، أو كما يحبون تسميته: “إعادة نظر في آليات الوساطة”… إنها سخرية القدر أن تكون “وسيطا” ثم تتحول إلى “طرف يمارس الضغط على أحد المتخاصمين” بناء على طلب الخصم الآخر…
هذا ليس وساطة، هذا “تسويق خدمة الضغط” بأعلى سعر.
الدوحة عرضت “تسهيل مغادرة قادة حماس”
المشهد الذي يبدو تراجيديا بالنسبة لمؤيدي حماس، يبدو لي شخصيا كوميديا سوداء بامتياز، أن تتحدث قناة الجزيرة ببكائية عن “جرائم الاحتلال” وفي نفس الوقت يتسرب من غرف المفاوضات المغلقة أن الدوحة عرضت “تسهيل مغادرة قادة حماس” كجزء من صفقة تبادل أسرى أو تهدئة…. أليست هذه هي الدوحة ذاتها التي بكت على أطفال غزة دموع التماسيح في الأستوديوهات الحربائية؟ أليس هو النظام عينه الذي يطلق على نفسه “راعي القضية الفلسطينية”؟
ما أشد حاجتنا اليوم إلى قاموس سياسي جديد يعيد تعريف كلمة “راعي”، فالراعي القطري يشبه راعي الغنم الذي يبيع خروفا كلما احتاج ثمن علف للخرفان الباقية، هنا تكمن المفارقة: المقاومة في نظر الدوحة ليست قضية، بل “ورقة شحن” تدخل بها المفاوضات، فإذا انتهى وقت الشحن، ألقت الورقة في أقرب صندوق فرز.
أنا متأكد أن البعض سيقول: “لكن قطر استضافت حماس سنوات طويلة…” طبعا استضافتها، كما يستضيف الفندق نزيلا يدفع ثمنا باهظا، لكن ما هو الثمن الذي دفعته حماس؟ أنا لا أتحدث عن أموال، بل عن “استنزاف رمزي”، فمنذ التحول القطري الكبير نحو “التطبيع الصامت” مع إسرائيل لأغراض تجارية وأمنية، لم تعد حماس سوى أداة لتجميل الصورة، الدوحة تحتاج إلى “قضية عادلة” تمنحها غطاء عروبيا، وفي الوقت عينه تحتاج إلى “غرفة خلفية” مع تل أبيب وواشنطن، الحل كان بسيطا:
تحويل حماس إلى “رهينة نفسية”
تحويل حماس إلى “رهينة نفسية”، تبقى في جناحها الملكي، تظهر بين الحين والآخر على الشاشات، ولكن عندما يحين وقت “تسوية الصفقة الكبرى”، يتم تقديمها كهدية على طاولة المفاوضات…
معطى تابث… الآن …هو…تحول قطر من “دولة داعمة للمقاومة” إلى “حارس سجن فاخر بتكليف أمريكي”، دون أن يلاحظ أحد.
هذا يقودني إلى ما أسميه “نظرية الفندق الدوار”، فندق الدوحة الكبير للأطياف السياسية يعمل بنظام “تسجيل الدخول والخروج الإجباري”، سجل دخول: أيها الضيف العزيز، أنت الآن تحت حماية “الشيخ”، إجراءات الخروج: عندما نضغط على زر “إخلاء” الموجود في غرفة التحكم الأمريكية، يجب أن تغادر خلال 24 ساعة، مع حقيبة صغيرة من الوعود، وقبلة على الجبين، وبيان مشترك عن “الظروف الموضوعية”، لقد رأينا هذا من قبل مع شخصيات من الإخوان المسلمين في مختلف البلدان، استقبلوا بالورود ثم أخرجوا بالدفع عندما تغير المزاج الغربي….
حماس لن تكن استثناء، بل هي مجرد “موجة جديدة” في موسم الصفقات، الأدهى والأمر أن النظام القطري لا يخجل من هذا التناقض الصارخ، بل يعلمه في أكاديميات الدبلوماسية كـ”نموذج ناجح للمرونة”، المرونة القطرية تعني أن تكون عربيا مع العرب، غربيا مع الغرب، إسرائيليا في الغرف المغلقة، وفلسطينيا على الشاشات، هذه ليست دبلوماسية، هذه “انفصام كاريزمي” يمارس بوقاحة.
إبعاد قادة حماس” كبند في اتفاق تطبيع محتمل
أريد أن أتوقف هنا عند كلمة “السمسرة” التي يتهرب منها المسؤولون القطريون كأنها إهانة، لكني أرى أن السمسرة هي الوصف الأدق، فالسمسار لا يبيع بيته، بل يبيع علاقات الناس، والسمسار السياسي القطري تخصص في “بيع الرؤوس بالجملة” لكن بتغليف فاخر، هل تذكرون عندما توسطت قطر بين أمريكا وطالبان؟
كانت النتيجة أن تحولت الدوحة إلى “فندق لزعماء طالبان” حتى اكتملت صفقة الانسحاب المخزي، ماذا حدث للبعض بعدها؟ تم تجميدهم في غرف الانتظار، لأن السمسار انشغل بصفقة جديدة مع إسرائيل، القضية الفلسطينية نفسها: بدأت بـ”وساطة إنسانية”، ثم تطورت إلى “وساطة سياسية”، ثم انتهت إلى “محاولة إبعاد قادة حماس” كبند في اتفاق تطبيع محتمل، ذلك هو منطق السمسار: يربط الخيوط، ثم يبيع كل خيط لمن يدفع أكثر، دون أي اكتراث بمصير “البيوت” التي بنيت من تلك الخيوط.
والآن، دعوني أتحدث عن “التوتر مع أمريكا” كورقة ضغط قطرية تقليدية، كلما شعر النظام القطري بالحرج، أخرج “أزمة الحماية” أو “ازدحام القواعد العسكرية” كورقة مساومة مع واشنطن، لكن الحقيقة التي لا يريدون قولها: قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر ليست رهينة في أيديهم، بل هي “سوار مراقبة إلكتروني” في كاحلهم، وجود القاعدة يعني أن القرار النهائي في كل ملفات قطر الإقليمية هو القرار الأمريكي، وحماس اليوم تدفع ثمن إثبات قطر “ولاءها الجديد” لإدارة أمريكية جديدة لا تحب “المقاومة”.
أنا لا أتهم الدوحة بالتبعية، بل أصفها بـ”التموضع الذكي”، لكن هذا التموضع الذكي يعني أن حماس لم تكن سوى “ورقة رابحة مؤقتة”، وعندما انقلبت الأوراق، أعيدت حماس إلى مغلفها مسجى بالبرد.
“الغدر المغطى بالشعارات”
ما يثير حنقي الشخصي ليس “الغدر” نفسه، بل “الغدر المغطى بالشعارات”، لو قالت الدوحة بصراحة: “نحن نتعامل مع القضايا كسلع، وسنباع أعلى مزايد”، لكان الأمر أوضح، ولكن أن تظهر على شاشاتها الماكرة مشاهد “أسرى الحرية” ثم تسلمهم خلف الكواليس كتنازل لإرضاء واشنطن، فهذا هو “النفاق المؤسساتي” بأبشع صوره.
لقد كشفت أزمة غزة الأخيرة عن انكشاف كبير: قطر تستطيع أن تبكي مع الباكين، وتضحك مع الضاحكين، وتتفاوض مع الإسرائيليين كما لو كانوا شركاء في مشروع سكني، إنها “الازدواجية” التي بلغت مستوى الإدمان، وهذا يقودني إلى ما يمكن تسميته “متلازمة الدوحة”: وهي عدم القدرة على التمييز بين مصلحة الدولة ككيان سيادي وبين مصلحة “شركة العائلة” القطرية التي تبيع الريح.
أخيرا، لا بد أن أعترف: ربما أنا قاس في وصفي، لكن القسوة هنا هي مرآة لما أعتقد أنه “مخادعة كبرى”، لقد صدق كثير من الفلسطينيين والمتعاطفين أن الدوحة “بيت العرب” الجديد، وأن أموال الغاز ستشتري موقفا ثابتا، لكن الحقيقة المرة (والساخرة في آن) هي: أموال الغاز تشتري فقط “إيجارا مؤقتا للضمير”، وعندما يحين وقت دفع الفاتورة الحقيقية، يكتشف أن المبادئ كانت مستأجرة، وأن الوفاء ليس في القاموس القطري، حماس تكتشف اليوم ما اكتشفه غيرها من قبل: في فندق الدوحة، الدخول مجاني، لكن الخروج قد يكون بـ”تذكرة ترحيل” سياسية لا تليق بذاكرة من ضحوا بأرواحهم في غزة، يا لها من نهاية سخية لنظام لا يعرف من “الكرم” سوى استعاراته الإعلامية….





