اقتصادالرئسية

32 ألف علامة تجارية بالمملكة.. لكن أين فرص الشغل؟

تحرير: جيهان مشكور

في زمن أصبحت فيه العلامات التجارية وبراءات الاختراع والأصول غير المادية محركا أساسيا لاقتصادات العالم، يحرص المغرب على تقديم نفسه كنموذج صاعد في مجال الملكية الصناعية.. حيث تكشف الارقام الرسمية صادرة عن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية ارتفاعا في طلبات الإيداع وتحسنا في التصنيفات الدولية، غير أن هذا البريق الإحصائي لا يحجب أسئلة ثقيلة حول مدى انعكاس هذه الدينامية على الاقتصاد الحقيقي، وعلى قدرة المقاولات المغربية، خصوصا الصغرى والمتوسطة، على تحويل الحماية القانونية إلى قيمة مضافة وفرص شغل ونمو فعلي.

تصنيفات دولية متقدمة.. لكن بأي أثر اقتصادي؟

بحسب ما أكده المدير العام للمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، عبد العزيز ببقيقي، بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية، فإن سنة 2026 سجلت أداء وصف بـ”الاستثنائي”، فالمغرب ارتقى إلى المرتبة الأولى إفريقيا وعربيا وفق المؤشر الدولي للملكية الفكرية لسنة 2026، كما صعد بتسع درجات في مؤشر الابتكار العالمي لسنة 2025 ليحتل الرتبة 57 من أصل 139 اقتصادا.. وهي مؤشرات تمنح صورة إيجابية عن تطور البيئة التنظيمية والتشريعية.

لكن المعضلة الحقيقية لا تكمن في ترتيب المؤشرات، بل في ترجمة هذه النتائج إلى إنتاجية صناعية وتكنولوجيا محلية، فحسب معطيات مؤسسات دولية، ما تزال مساهمة البحث والتطوير في المغرب دون مستويات الاقتصادات الصاعدة، إذ لا تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث العلمي جزءا محدودا من الناتج الداخلي الخام، مقارنة بدول آسيوية جعلت من الابتكار سياسة سيادية.

بمعنى آخر، يمكن تحسين القوانين والمراتب، لكن دون استثمار واسع في المختبرات والجامعات والصناعة، تبقى الملكية الصناعية واجهة أكثر منها قوة اقتصادية ضاربة.

طلبات الإيداع ترتفع.. لكن المقاولة الصغيرة خارج اللعبة

سجل المغرب سنة 2025 أكثر من 32 ألف طلب علامة تجارية، 68% منها ذات منشأ مغربي، كما تم إيداع 2.983 طلب براءة اختراع بزيادة 2%، مع نمو الإيداعات الوطنية بنسبة 34%، إضافة إلى 6.194 طلبا للرسوم والنماذج الصناعية، 82% منها لمغاربة.

تبدو هذه الأرقام مشجعة، لكنها تخفي واقعا آخر: الجزء الأكبر من النسيج المقاولاتي المغربي يتكون من مقاولات صغيرة جدا تعاني أصلا من التمويل والضرائب والتأخر في الأداء.. بالنسبة لهذه الفئات، تبقى إجراءات الحماية والتسجيل والاستشارة القانونية كلفة إضافية لا أولوية عاجلة، كما أن نزيف هجرة الكفاءات يطرح تحديا إضافيا، إذ يصعب بناء اقتصاد ابتكار دون الاحتفاظ بالعقول المنتجة له.

رقمنة المساطر لا تكفي دون عدالة اقتصادية

وفي هذا السياق، يتحدث المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية عن رقمنة الخدمات، وتوسيع الحضور الترابي، وتعزيز الشراكات الدولية، وهي خطوات ضرورية، لكن حماية الأفكار لا تكفي إذا لم توجد بيئة تنتج الأفكار أصلا.. فالابتكار يبدأ من مدرسة عمومية قوية، وجامعة منتجة للبحث، وحوافز ضريبية للباحثين، وتمويل جريء للمقاولات الناشئ، وربط حقيقي بين الجامعة والمصنع.

بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني

يمكن للملكية الصناعية أن تكون رافعة للتنافسية وجذب الاستثمار، لكن ذلك لن يتحقق بالشعارات ولا بالاحتفال بالمؤشرات، والرهان الحقيقي يبدأ عندما تصبح البراءة اختراعا يصنع محليا، والعلامة التجارية منتجا يغزو الأسواق، والابتكار وظيفة تخلق الكرامة.

أما الاكتفاء بتضخيم الأرقام، فهو خطر حقيقي: لأنه يمنح انطباعا بالتقدم بينما الاقتصاد ينتظر إصلاحا أعمق من مجرد تسجيل اسم أو ختم وثيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى