الرئسيةسياسة

جيل زد..القضاء يحسم ملف “الطريق السيار”

في واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل خلال الأشهر الماضية، أغلقت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ملف ما عُرف إعلاميا بـ”أحداث الطريق السيار”، المرتبطة بالتحركات الاحتجاجية التي دعا إليها عدد من شباب “جيل زد“، بعد مسار قضائي طويل تابعته الأوساط الحقوقية والإعلامية باهتمام كبير.

نهاية فصلا قضائيا أثار نقاشا واسعا

أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في وقت متأخر من مساء الخميس، أحكامها النهائية في القضية المعروفة إعلاميا بـ”أحداث الطريق السيار”، منهية بذلك فصلا قضائيا أثار نقاشا واسعا حول حدود الاحتجاج في الفضاء العام ومعايير الإثبات في القضايا الجنائية.

وقضت المحكمة بأحكام متفاوتة في حق المتابعين، أفضت إلى الإفراج الفوري عن 13 متهما بعد استنفادهم مدد العقوبة المحكوم بها أو استفادتهم من تخفيضات في العقوبات، فيما ينتظر متهمان آخران مغادرة السجن خلال الأيام المقبلة عقب استكمال ما تبقى من العقوبات الصادرة في حقهما.

مؤشر على تبني المحكمة مقاربة تقوم على ضرورة توفر أدلة مادية

وشملت الأحكام إدانة متهمين بعقوبات سالبة للحرية تراوحت بين ثمانية وتسعة أشهر حبسا نافذا، بينما استفاد باقي المتابعين من أحكام أخف، وهو ما اعتبره دفاعهم مؤشرا على تبني المحكمة مقاربة تقوم على ضرورة توفر أدلة مادية مباشرة لإثبات المسؤولية الجنائية.

وترجع تفاصيل الملف إلى شهر شتنبر الماضي، حين تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق تجمعات شبابية واحتجاجات بالقرب من الطريق السيار بضواحي الدار البيضاء، تسببت في اضطرابات مؤقتة بحركة المرور، ما دفع السلطات إلى فتح تحقيقات انتهت بتوقيف عدد من الأشخاص، من بينهم راشدون وقاصرون.

وخلال مختلف مراحل المحاكمة، ركزت هيئة الدفاع على التشكيك في الأساس الإثباتي للمتابعة، معتبرة أن الملف اعتمد بالدرجة الأولى على محاضر الضابطة القضائية وتصريحات المتهمين وظروف توقيفهم، فضلا عن تسجيلات مصورة لا تُظهر – بحسب الدفاع – أي أفعال مباشرة يمكن نسبتها للمتابعين.

التصريحات المضمنة في المحاضر جاءت متباينة وغير متطابقة

تمسكت هيئة الدفاع طيلة أطوار المحاكمة، بأن تواجد المتابعين في فضاءات مفتوحة وعمومية، سواء بساحة السراغنة أو بالقرب من أحد المراكز التجارية، لا يمكن اعتباره دليلاً كافيا على ارتكاب أفعال يجرمها القانون.

كما أشارت إلى أن الإفادات الواردة في محاضر البحث اتسمت بالتباين والتناقض في عدد من جوانبها، ما يضعف حجيتها القانونية ويجعلها غير كافية لتأسيس إدانة يقينية.

وفي السياق ذاته، أثار الدفاع مسألة الوصف القانوني للوقائع موضوع المتابعة، معتبرا أن الأحداث المنسوبة للمتهمين، حتى على فرض ثبوتها، تندرج ضمن أفعال مرتبطة بالتجمهر أو الاحتجاج في الفضاء العام، ولا تستجيب للأركان القانونية لجريمة عرقلة سير الناقلات بقصد تعطيل حركة المرور، المنصوص عليها في الفصل 591 من القانون الجنائي، وهي التهمة التي بُنيت عليها المتابعة أساساً.

وضم الملف 18 متهما راشدا، من بينهم ثلاثة توبعوا في حالة سراح، إضافة إلى ستة قاصرين، توزعت أوضاعهم بين الاعتقال والمتابعة في حالة سراح، ما جعل القضية تحظى بمتابعة واسعة من قبل الرأي العام والهيئات الحقوقية.

أمال أن تشكل هذه التطورات القضائية مدخلا لإعادة النظر في الأحكام الصادرة في حق باقي معتقلي “جيل زد”

ومع صدور الأحكام النهائية، تُطوى صفحة واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش خلال الفترة الأخيرة، بعدما أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن حدود ممارسة الحق في الاحتجاج، ومدى التوفيق بين حماية النظام العام وضمان الحقوق والحريات، فضلا عن أهمية بناء الأحكام القضائية على أدلة مادية مباشرة وواضحة.

في أعقاب هذه الأحكام، عبر عدد من الحقوقيين والمهتمين بالشأن العام عن تطلعهم إلى أن تشكل هذه التطورات القضائية مدخلاً لإعادة النظر في الأحكام الصادرة في حق باقي معتقلي “جيل زد”.

كما أعربوا عن أملهم في أن تفتح هذه المناسبة الباب أمام معالجة شاملة لهذا الملف، بما يفضي إلى طيه بشكل نهائي من خلال الإفراج عن جميع المعتقلين المرتبطين به، وإنهاء واحدة من أكثر القضايا التي أثارت جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية والإعلامية خلال الفترة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى