الرئسيةحول العالمشواهد على التاريخ

نافي بيلاي..المرأة التي وضعت نوبل في فلسطين

لم تكن نافي بيلاي، الحقوقية والقاضية القادمة من جنوب إفريقيا، بحاجة إلى جائزة دولية كي تكتسب مكانتها في معركة الدفاع عن حقوق الإنسان.

فمسارها المهني والحقوقي تشكل عبر سنوات طويلة من الاشتباك مع قضايا الظلم والإفلات من العقاب، من إرث الفصل العنصري في بلادها إلى الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الفلسطينيون.

لكن فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 أعاد تسليط الضوء على شخصية جعلت من القانون الدولي أكثر من مجرد نصوص واتفاقيات، ومن العدالة مسؤولية لا يجوز تعليقها على حسابات السياسة وموازين المصالح.

في الخامسة والثمانين من عمرها، تبدو بيلاي شاهدة على تحولات كبرى عرفها العالم، لكنها لا تتعامل مع تجربتها باعتبارها سيرة اكتملت فصولها، أو رصيدا من المناصب القضائية والحقوقية يكفي للاستراحة عنده.

فما تزال ترى أن الدفاع عن الإنسان يقتضي مواجهة الحكومات حين تتقدم مصالحها السياسية والاستراتيجية على مقتضيات العدالة، وأن الصمت أمام الجرائم ليس موقفا محايدا، بل تنازل عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

ومن هذا المنطلق، جاء خطابها بشأن فلسطين حاسما في عباراته ودلالاته، إذ دعت المجتمع الدولي إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى ممارسة ضغط شعبي واقتصادي قادر على المساهمة في إنهاء الانتهاكات الإسرائيلية.

وبالنسبة إليها، فإن استمرار معاناة الفلسطينيين، بعد عقود طويلة من النضال من أجل الحرية، يضع العالم أمام سؤال لا يمكن تفاديه: ما قيمة القانون الدولي إذا ظل عاجزا عن حماية من يفترض أنه وُجد من أجلهم؟

امرأة خرجت من تجربة التمييز إلى رحاب العدالة الدولية

تنحدر نافي بيلاي من أصول هندية، ونشأت في جنوب إفريقيا، البلد الذي عاش تحت نظام الفصل العنصري الذي أقام التمييز على أساس العرق، وحول الحقوق والحريات إلى امتيازات غير متاحة للجميع.

وقد تركت تلك التجربة أثرها في مسارها الحقوقي، وأسهمت في تشكيل نظرتها إلى العدالة باعتبارها معركة ضد الأنظمة التي تحرم الإنسان من كرامته، لا مجرد اختصاص قانوني منفصل عن الواقع الاجتماعي والسياسي.

لم تكن خلفيتها القادمة من مجتمع عاش التمييز بعيدة عن طبيعة القضايا التي ستواجهها لاحقا في المحافل الدولية.

فقد انتقلت من فضاء وطني مثقل بإرث العنصرية إلى مؤسسات قضائية وحقوقية دولية، حيث تتقاطع الجرائم والانتهاكات مع حسابات الدول، وتظهر الحدود الفعلية لقدرة القانون على فرض احترامه عندما يصطدم بإرادة القوى النافذة.

وشغلت بيلاي عددا من المواقع البارزة في منظومة العدالة الدولية، من بينها العمل قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، وتولي رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، فضلا عن منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وهي تجارب وضعتها في قلب النقاش العالمي حول الجرائم الدولية، ومحاسبة المسؤولين عنها، والحدود التي تفصل بين العدالة بوصفها مبدأ عاما وبين توظيف المؤسسات الدولية وفق موازين القوة.

ولم يكن حضورها في هذه المواقع مجرد انتقال بين مناصب رفيعة، بل مسارا جعلها تتابع من داخل المؤسسات نفسها التناقض القائم بين عالم يعلن التزامه بحقوق الإنسان، وآخر تتحكم فيه المصالح السياسية عندما يتعلق الأمر بمحاسبة الحلفاء أو مواجهة الدول النافذة.

فلسطين.. الاختبار الأصعب لضمير العالم

في موقفها من القضية الفلسطينية، تستحضر بيلاي تجربة جنوب إفريقيا، لا باعتبارها صفحة من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها دليلا على أن الأنظمة القائمة على التمييز والقهر ليست قدرا أبديا، وأن الضغط الشعبي والاقتصادي الدولي يمكن أن يتحول إلى أداة مؤثرة في مواجهة الظلم.

وترى الحقوقية الجنوب إفريقية أن الفلسطينيين يخوضون نضالا ممتدا من أجل الحرية منذ أكثر من تسعين عاما، وأن ما يحتاجونه اليوم لا يقتصر على التضامن اللفظي، بل يتطلب دعما دوليا ملموسا يضع حدا لاستمرار الانتهاكات.

وقد شددت على أن اهتمام الشعوب ومساندتها يمكن أن يشكلا سندا مهما للفلسطينيين في مواجهة واقع الاحتلال والمعاناة المستمرة.

وفي هذا السياق، دعت إلى تحرك دولي يستلهم التجربة التي عرفتها جنوب إفريقيا في مواجهة نظام الفصل العنصري، من خلال توسيع دائرة الإدانة، وتفعيل أدوات المقاطعة الاقتصادية، وممارسة الضغط على الحكومات التي تواصل تقديم مصالحها الإقليمية والسياسية على واجبها في الدفاع عن السلام والعدالة.

إنها مقارنة تستند إلى تجربة تاريخية عايشت بيلاي آثارها، وتستحضر من خلالها قدرة التضامن الشعبي على تغيير موازين الضغط عندما تعجز المؤسسات الرسمية عن اتخاذ قرارات حاسمة.

فالمقاطعة، في تصورها، ليست مجرد تعبير رمزي عن الرفض، بل وسيلة سياسية واقتصادية يمكن أن تسهم في محاصرة منظومات الانتهاك ودفعها إلى مراجعة سلوكها.

وتختصر بيلاي موقفها بعبارة واضحة: «الأمر الوحيد الذي لا يمكن قبوله هو عدم القيام بأي شيء». وهي عبارة تتجاوز حدود الدعوة الأخلاقية إلى مساءلة مباشرة للمجتمع الدولي، الذي يمتلك من الوسائل القانونية والسياسية ما يسمح له بالتحرك، لكنه كثيرا ما يتعامل مع هذه الوسائل وفق حسابات الانتقاء والازدواجية.

من لجنة التحقيق الأممية إلى اتهام الاحتلال

اكتسب موقف بيلاي من فلسطين ثقلا إضافيا من خلال تجربتها على رأس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل.

وقد وضعتها هذه المهمة أمام ملف شديد التعقيد، تتداخل فيه الوقائع الميدانية مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال، ومسؤولية المؤسسات الدولية عن متابعة الانتهاكات.

وبحسب ما ورد في التصريحات المنقولة عنها، خلصت اللجنة التي ترأستها إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل أحد الأسباب الأساسية لاستمرار الصراع.

وتنتقد بيلاي في هذا السياق إصرار بعض الحكومات على التعامل مع الأزمة من زاوية مصالحها السياسية والإقليمية، بدل وضع إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة في صلب أي مقاربة جدية للسلام.

ولا تنظر بيلاي إلى السلام باعتباره مجرد غياب للمواجهة المسلحة أو توقفا مؤقتا للعنف، بل تربطه بمعالجة جذور الصراع، واحترام الحقوق، وإنهاء الأوضاع التي تنتج باستمرار الخوف والحرمان وانعدام الأمن.

ومن هذه الزاوية، فإن أي تسوية تتجاهل واقع الاحتلال ومطالب الفلسطينيين بالحرية تظل معرضة لإعادة إنتاج أسباب الصراع بدلا من وضع حد لها.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تصدر عن شخصية راكمت خبرة واسعة في التعامل مع الجرائم الدولية، وتعرف جيدا الفارق بين توثيق الانتهاكات وبين امتلاك الإرادة السياسية اللازمة لوقفها. فالتقارير والتحقيقات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها حماية المدنيين إذا لم تتحول نتائجها إلى إجراءات ملموسة.

القانون الدولي ليس بديلا عن التحرك

على الرغم من تمسكها بالقانون الدولي، لا تخفي بيلاي محدودية أثره عندما ينفصل عن الإرادة السياسية.

وقد رحبت بالرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن عدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنها نبهت في المقابل إلى أن المسارات القانونية لا تضع حدا فوريا لمعاناة السكان.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في مسيرتها: فهي تدافع عن القانون باعتباره ضرورة لحماية الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، لكنها ترفض تحويله إلى ذريعة للانتظار المفتوح، أو الاكتفاء بإجراءات تستغرق سنوات بينما تستمر المعاناة على الأرض.

وفي نظرها، لا ينحصر دور مجلس الأمن الدولي في إصدار البيانات أو إدارة الأزمات بعد تفاقمها، بل يمتد إلى استخدام الأدوات المتاحة له، من بعثات حفظ السلام ولجان التحقيق والوساطة إلى العقوبات الاقتصادية، وفق مقتضيات القانون الدولي وطبيعة الانتهاكات المرتكبة.

كما تنتقد بنية النظام الأممي، الذي تصفه بأنه غير عادل بسبب هيمنة الحكومات وضيق المجال المتاح أمام المجتمع المدني.

فالمؤسسات التي يفترض أن تعبر عن الإرادة الدولية تجد نفسها، في كثير من الأحيان، أسيرة حسابات الدول ومصالحها، فيما تبقى أصوات الضحايا والمنظمات الحقوقية محدودة التأثير في صناعة القرار.

ومن هنا، فإن دعوتها إلى الضغط الشعبي لا تنفصل عن نقدها للمؤسسات الرسمية؛ إنها محاولة لتوسيع دائرة الفعل خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية، وإعادة الاعتبار إلى دور المجتمعات في دفع الحكومات نحو تحمل مسؤولياتها.

الإبادة الجماعية.. مسؤولية تبدأ قبل وقوع الجريمة

في تناولها لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، تؤكد بيلاي أن مسؤولية الدول لا تبدأ بعد اكتمال الجريمة، ولا تنحصر في ملاحقة المتهمين عقب وقوعها، بل تشمل واجب الوقاية ومنع تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كليا أو جزئيا.

ويحمل هذا الموقف دلالة أساسية في سياق النقاش بشأن غزة، إذ ينقل مركز الاهتمام من السؤال المتعلق بمحاسبة المسؤولين بعد وقوع الجرائم إلى مسؤولية المجتمع الدولي في منع وقوعها أو استمرارها. فالقانون، وفق هذا المنظور، لا يؤدي وظيفته كاملة إذا اقتصر على العقاب اللاحق، بينما أهمل واجب التحرك المبكر لحماية الجماعات المهددة.

ويأتي هذا التشديد في وقت تزداد فيه أهمية مساءلة الدول عن مدى التزامها بالتعهدات الدولية، وعن الإجراءات التي تتخذها أو تمتنع عنها عندما تظهر مؤشرات على ارتكاب جرائم خطيرة. فالمسؤولية القانونية لا يمكن أن تتحول إلى خطاب انتقائي يتغير تبعا لهوية المتهم أو موقعه في خريطة التحالفات الدولية.

وفي هذا الإطار، يبرز موقف بيلاي باعتباره دعوة إلى التعامل مع منع الإبادة الجماعية بوصفه التزاما دوليا، لا خيارا سياسيا يمكن تأجيله كلما تعارض مع مصالح دولة أو مجموعة من الدول.

حين تتحول العقوبات إلى وسيلة لإضعاف العدالة

ولا تتوقف انتقادات بيلاي عند حدود القضية الفلسطينية، بل تمتد إلى الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات القضائية الدولية نفسها. فقد دعت الدول إلى إدانة العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية، والتي وصفتها بأنها إجراءات غير قانونية، مطالبة بمساندة المحكمة حتى تتمكن من تجاوز آثارها ومواصلة عملها.

ويكشف هذا الموقف عن هاجس ملازم لمسيرتها: كيف يمكن للقضاء الدولي أن يؤدي دوره إذا أصبحت المؤسسات المكلفة بمحاسبة مرتكبي الجرائم عرضة للعقوبات والضغوط السياسية بسبب قراراتها أو تحركاتها القضائية؟

فاستقلال القضاء الدولي، بالنسبة إليها، ليس مسألة إدارية أو تفصيلا مؤسساتيا، بل شرط أساسي لقيام العدالة. وإذا كانت المحاسبة تتوقف عند حدود ما تسمح به القوى الكبرى، فإن مبدأ المساواة أمام القانون يفقد معناه، ويتحول النظام الدولي إلى فضاء تتفاوت فيه الحماية تبعا للنفوذ السياسي والاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، تدافع بيلاي عن المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها إحدى الأدوات الضرورية لمواجهة الإفلات من العقاب، وترى أن حمايتها من الضغوط تمثل مسؤولية جماعية تقع على عاتق الدول التي تؤمن باستقلال القضاء وبضرورة احترام القانون الدولي.

نوبل للسلام.. تكريم لمسار أم رسالة إلى العالم؟

جاء منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026، وفق الإعلان المنسوب إلى معهد نوبل النرويجي، تقديرا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. وقد وصفت فوزها بأنه مفاجأة كبيرة، واعتبرته لحظة عميقة الدلالة ولا تُنسى في مسيرتها.

لكن أهمية هذا التكريم لا تتوقف عند الاحتفاء بسيرة قاضية وحقوقية جنوب إفريقية بلغت الخامسة والثمانين، ولا عند تعداد المناصب التي شغلتها في مؤسسات دولية بارزة. فالجائزة تضع، في الوقت نفسه، قضايا العدالة الدولية وحماية المدنيين ومساءلة مرتكبي الجرائم في صلب النقاش العالمي، وتعيد طرح السؤال عن مدى قدرة المؤسسات الدولية على الوفاء بالمبادئ التي تأسست من أجلها.

لقد عرفت بيلاي جنوب إفريقيا وهي تواجه إرث الفصل العنصري، ثم انتقلت إلى فضاءات القضاء الدولي وحقوق الإنسان، حيث اختبرت عن قرب الصعوبات التي تعترض تطبيق القانون عندما تصطدم العدالة بمصالح الدول. وبين التجربتين، تبلورت قناعة واضحة بأن الانتهاكات لا تتوقف بمجرد الاعتراف بوجودها، وأن القرارات القانونية لا تكفي إذا لم تسندها إرادة سياسية وضغوط مجتمعية قادرة على إحداث التغيير.

ولعل المقارنة التي تستحضرها بين تجربة جنوب إفريقيا والقضية الفلسطينية هي أكثر ما يمنح مواقفها راهنيتها. فهي لا تقدم تاريخ بلادها باعتباره نموذجا قابلا للاستنساخ بصورة آلية، بل تستحضر الدرس الأهم الذي حملته تلك التجربة: أن الظلم لا ينتهي بمجرد إدانته، وأن التضامن حين يتحول إلى فعل منظم يمكن أن يضيق الخناق على الأنظمة القائمة على التمييز والقهر.

في النهاية، لا تختزل سيرة نافي بيلاي في جائزة نوبل أو في المناصب التي تقلدتها، بل في السؤال الذي تضعه أمام العالم بإلحاح: هل ستظل العدالة الدولية حبيسة النصوص والمحاكم والتقارير، أم تتحول إلى قوة فعلية لحماية الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم؟ بالنسبة إلى بيلاي، لا يمكن أن يكون الصمت جوابا مقبولا، ولا يجوز أن تتحول المصالح السياسية إلى مبرر للتخلي عن المسؤولية. فالقانون الذي لا تسنده إرادة حقيقية لحماية البشر يظل ناقص الأثر، والسلام الذي لا يقوم على الحرية والعدالة يظل سلاما مؤجلا.

اقرأ أيضا…

تكريم نافي بيلاي..هل تعتذر نوبل لغزة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى