
دولة اجتماعية على الورق
أعد الحوار مكتوبا: جيهان مشكور
بعد ثلاثة عقود تقريباً من الاستراتيجيات، ومليارات الدراهم من الاستثمارات، ومصانع تصدّر إلى الخارج، وثروات تتراكم في أعلى الهرم الاقتصادي، يصل السؤال في النهاية إلى المكان الذي لا يمكن للأرقام أن تخفيه طويلاً: :ماذا وصل فعلاً إلى المواطن؟”
اقرأ أيضا…
هنا يضع الاقتصادي نجيب أقصبي، في حواره مع جريدة «الشعاع الجديد»، ورش الدولة الاجتماعية أمام امتحان أكثر قسوة من إعلان البرامج وإحصاء المستفيدين: هل تحولت الحماية الاجتماعية إلى حق فعلي، أم ما زالت، في جزء منها، وعداً أكبر من قدرتها على الوصول؟
أربعة وعود.. ومواعيد تتأخر
كان مشروع تعميم الحماية الاجتماعية قائماً على أربعة مرتكزات كبرى: التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التقاعد، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، وقد حدد القانون-الإطار آجالاً تدريجية لتنزيلها، بما فيها توسيع التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل خلال 2025.
لكن أقصبي يلفت إلى فجوة بين ما أُعلن وما تحقق فعلياً، خصوصاً في ما يتعلق بالتعويض الشامل عن فقدان الشغل وتعميم التقاعد، وحتى في الخطاب الرسمي لسنة 2025، ظل توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد وتعميم التعويض عن فقدان الشغل ضمن الأوراش التي يجري «مواصلة تفعيلها»، ما يكشف أن الانتقال من الوعد إلى النظام المكتمل لم يكن بالسرعة التي أوحت بها المواعيد الأولى.
88% مغطّون.. لكن هل هم قادرون على العلاج؟
هنا تظهر المفارقة الأكثر دلالة، بالنسبة لأقصبي..
تقول الحكومة إن تعميم التأمين الإجباري عن المرض رفع عدد المستفيدين إلى أزيد من “32 مليون شخص في 2025، أي نحو 88% من السكان”، مقابل 42% قبل إطلاق الورش، كما استفاد أكثر من أربعة ملايين أسرة من نظام «AMO تضامن» إلى حدود منتصف 2025.
لكن التغطية ليست هي العلاج.
فالمواطن قد يكون مسجلاً في نظام التأمين، ومع ذلك يظل أمام مصاريف الطبيب والدواء والفحوص والاستشفاء، وفوارق بين التعريفة المرجعية والسعر الحقيقي للخدمة.. وهنا تصبح كلمة «مغطى» بحاجة إلى سؤال ثانٍ: “مغطى إلى أي حد؟”
في هذا السياق ،وضع المجلس الأعلى للحسابات جودة الولوج إلى العلاج في قلب المشكلة، مسجلاً أن القطاع الخاص استحوذ في 2024 على نحو 91% من نفقات خدمات العلاج ضمن أنظمة AMO، مقابل 9% فقط للمؤسسات العمومية، كما سجل ارتفاع نفقات أنظمة AMO من 13.62 إلى 24.95 مليار درهم بين 2022 و2024، بزيادة 83%، مقابل نمو للموارد لم يتجاوز 36%.
وهكذا، قد يتسع عدد المسجلين في النظام، بينما يبقى السؤال الأصعب متعلقاً “بقدرة النظام نفسه على تمويل علاج فعلي ومتاح ومستدام”.
دولة اجتماعية.. أم إدارة للفقر؟
ولا تتوقف المشكلة عند الصحة.. فالدعم الاجتماعي المباشر وصل، وفق المعطيات الرسمية، إلى نحو أربعة ملايين أسرة، وتواصل الحكومة في 2026 توسيع البرنامج وربطه أكثر بالإدماج الاقتصادي وسوق الشغل.
لكن الدعم، مهما اتسعت دائرته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن اقتصاد ينتج عملاً مستقراً وأجوراً كافية وحماية مستدامة.
هنا ينتهي حوار نجيب أقصبي مع جريدة «الشعاع الجديد» إلى النقطة الأكثر حساسية في السلسلة؛ “إذا كانت الاستراتيجيات تنتج نمواً محدوداً، والصناعة تخلق قيمة لا تزال موضع سؤال، والثروة لا تتحول بالقدر الكافي إلى استثمار منتج، فإن الحماية الاجتماعية تصبح المكان الذي تظهر فيه الفاتورة الاجتماعية لهذا النموذج كله..”
لذلك فإن السؤال الأخير ليس كم أسرة استفادت، ولا كم شخصاً سُجّل في نظام صحي.
السؤال هو: “هل يستطيع المغربي أن يمرض دون أن يفلس، ويفقد عمله دون أن يسقط، ويبلغ الشيخوخة دون أن يتحول إلى عبء على أسرته؟”
فإذا كانت الإجابة لا تزال ناقصة، فإن الدولة الاجتماعية لم تصل بعد إلى نهايتها الطبيعية؛ “لقد انتقلت من مرحلة الإعلان عنها إلى مرحلة الاختبار الحقيقي: حياة المواطن نفسه.”





