الرئسيةفكر .. تنويرمجتمع

أزمة سبتة..حين يشيطن أوريد الأسرة بلا أدلة

ليس من وظيفة المثقف أن يردد ما يريد الناس سماعه، ولا أن يبحث عن أكثر التصريحات إثارة للجدل فالمثقف الحقيقي يُعرف بقدرته على تفكيك الظواهر المركبة، وربط الأسباب بنتائجها وفق معطيات ودراسات، لا وفق الانطباعات لكن عندما يتخلى عن هذه المهمة، ويتحول إلى مجرد صاحب رأي يطلق الأحكام من دون سند علمي، فإنه يفقد أهم ما يمنحه شرعية الحديث المنهج.

هذا ما أعادت إلى الواجهة تدوينة حسن أوريد، التي ربط فيها بين مدونة الأسرة وظاهرة هجرة القاصرين، معتبرًا أن عددًا كبيرًا من المهاجرين هم أبناء أسر من “ولي واحد”، وأن ذلك من نتائج المدونة، طرح أثار نقاشًا واسعًا، ليس لأنه ينتقد مدونة الأسرة، فهذا حق مشروع، وإنما لأنه يقدم استنتاجًا كبيرًا دون أن يسنده بأدلة علمية أو إحصاءات دقيقة.

من التحليل إلى الانطباع

حين يتحدث باحث أو مفكر ، فإن القارئ ينتظر تحليلًا يستند إلى الوقائع، لا إلى الانطباعات فالهجرة غير النظامية ليست ظاهرة يمكن تفسيرها بسبب واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية، من بطالة وفقر وهشاشة وانسداد للأفق، إلى نشاط شبكات تهريب البشر والإغراء الذي تمثله الضفة الأخرى.

أما القفز مباشرة إلى تحميل مدونة الأسرة مسؤولية هذه الظاهرة، فهو اختزال مخلّ لواقع أكثر تعقيدًا، ويبتعد عن المنهج الذي يفترض أن يميز المثقف عن غيره.

المثقف ليس “جيب أفم وقول”

الفرق بين المثقف الحقيقي و”ولد الدرب” ليس في الشهادة الجامعية ولا في اللغة الراقية، بل في طريقة التفكير.

الأول يسأل: أين الدليل؟ ماذا تقول الإحصائيات؟ وما هي الدراسات التي تثبت هذا الربط؟

أما الثاني، فيكتفي بإطلاق عبارة صادمة، ثم يتركها تتداول باعتبارها حقيقة.

وللأسف، بدا حسن أوريد في هذه التدوينة أقرب إلى هذا النموذج الثاني، حين قدم علاقة سببية بين مدونة الأسرة والهجرة، دون أن يعرض معطيات تثبت أن أبناء الأسر التي تعيلها الأمهات أو الأسر ذات الولي الواحد هم بالفعل الأغلبية بين المهاجرين.

شيطنة الأسرة أم البحث عن الحقيقة؟

الأكثر إثارة للنقاش أن هذا الخطاب يحمل، ولو بشكل غير مباشر، إيحاءً بأن الأسر التي تقودها النساء مسؤولة عن الانحراف أو الهجرة، وهو استنتاج لا تدعمه الوقائع بالضرورة.

في المغرب آلاف النساء اللواتي تحملن مسؤولية تربية أبنائهن بعد الطلاق أو الترمل، ونجحن في تخريج أطباء ومهندسين وأساتذة ومسؤولين.
كما أن هناك، في المقابل، أسرًا مكتملة الأركان قانونيًا، لكنها فشلت في حماية أبنائها من الجريمة أو الإدمان أو الهجرة.

لذلك، فإن اختزال نجاح الأسرة أو فشلها في وجود “ولي واحد” أو “وليين” لا يعكس حقيقة الواقع المغربي، بقدر ما يعكس رؤية تبسيطية لمسألة شديدة التعقيد.

حين يبحث المثقف عن “الترند”

أصبح بعض المثقفين، للأسف، ينجذبون إلى منطق وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الجملة المثيرة أكثر من الدراسة الرصينة، ويحقق التصريح الصادم انتشارًا يفوق عشرات الأبحاث العلمية.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن صاحب الصفة الأكاديمية لا يتحدث بصفته الشخصية فقط، بل تمنح كلماته انطباعًا بأنها تستند إلى معرفة موثقة وعندما يغيب الدليل، يتحول هذا الرصيد العلمي إلى مجرد وسيلة لإضفاء المصداقية على رأي شخصي.

النقد حق… لكن المسؤولية أكبر

ليس المطلوب من حسن أوريد أن يمتنع عن انتقاد مدونة الأسرة، فالنقاش حولها مشروع ومطلوب لكن المطلوب من مفكر يحمل هذا الرصيد الفكري ألا يستبدل التحليل العلمي بالأحكام السريعة، وألا يختزل أزمة بحجم الهجرة في تفسير واحد لا ينهض على معطيات موثقة.

فالمثقف الحقيقي لا يقود الرأي العام نحو الاستنتاجات السهلة، بل يدفعه إلى التفكير في تعقيد المشكلات وتشابك أسبابها.

جدير بالذكر أنه حين يتخلى المثقف عن المنهج، ويستبدل الدليل بالانطباع، فإنه يفقد ما يميزه عن أي معلق على منصات التواصل والمشكلة ليست في أن يخطئ، فكل المفكرين يخطئون، بل في أن يتحدث في قضايا مصيرية بمنطق “جيب أفم وقول”، بينما ينتظر منه المجتمع أن يكون صوت العقل، لا صدى للأحكام الجاهزة فالمثقف تُقاس قيمته بما يقدمه من معرفة، لا بعدد العبارات التي تثير الجدل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى