
الشراكة العربية امتحان “ديمقراطية إسرائيل”
تنشر «دابا بريس» مقالات مختارة من الإعلام العبري، بهدف إتاحة فرصة الاطلاع على جانب من النقاش السياسي والإعلامي الدائر داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، ورصد التباينات في المواقف بشأن قضايا الحكم والأمن والحرب ومستقبل القيادة السياسية. ويأتي نشر هذه المواد في إطار التعريف بما تتداوله الصحافة الإسرائيلية من آراء وتحليلات وانتقادات داخلية، دون أن يعني ذلك تبنّي «دابا بريس» للمواقف الواردة فيها أو الاتفاق مع استنتاجاتها.
وفق قراءة صحيفة هآرتس العبرية، يجد قادة ما يُسمى «معسكر التغيير» أنفسهم أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد، أشبه بقائمة من الخيارات المسمومة، لا يتيح أي منها الخروج بأقل الخسائر. فكل طريق لتشكيل الحكومة يحمل في طياته التراجع عن تعهد انتخابي أو التضحية بأحد الشعارات التي خاضوا بها معركتهم ضد بنيامين نتنياهو.
فالتحالف مع الأحزاب الحريدية يعني نسف خطاب المساواة في تحمل الأعباء، خصوصا ما يتعلق بالتجنيد العسكري، بينما تعني حكومة الوحدة التخلي عن الهدف المركزي المتمثل في إنهاء حكم نتنياهو وإحداث تغيير حقيقي في بنية السلطة.
غير أن الخيار الأكثر إثارة للجدل، والأشد سمية في حسابات هذا المعسكر، يظل الاستعانة بالأحزاب العربية أو الاعتماد على دعمها، باعتبار ذلك، في نظر خصوم هذه الشراكة، تجاوزا لما يسمونه الخطوط الوطنية الحمراء.
شرعية التحالفات تُقاس بالهوية لا بالمواقف
وتكشف صحيفة هآرتس أن المشكلة لا تتوقف عند صعوبة الاختيار بين بدائل حكومية متعارضة، بل تمتد إلى طبيعة المعايير التي يجري اعتمادها لتحديد الشريك السياسي المقبول.
ففي هذا الميزان المختل، يصبح التعاون مع أحزاب اليمين المتطرف أمرا قابلا للتبرير، ولا تبدو هناك مسافة سياسية فاصلة بين الليكود والصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت، كما يمكن التغاضي عن فتح قنوات التفاوض مع الأحزاب الحريدية، ما دامت تنتمي إلى المعسكر اليهودي.
في المقابل، تتحول الشراكة مع الأحزاب العربية إلى محرم سياسي، حتى عندما تكون ضرورية لتغيير موازين القوى وإنهاء حكم نتنياهو.
وهنا تظهر المفارقة: لا تُقاس شرعية التحالفات ببرامج الأحزاب ومواقفها من الديمقراطية والمساواة ومستقبل النظام السياسي، وإنما بهوية مكوناتها وانتمائها القومي.
حين يصبح إقصاء العرب تهديدا للديمقراطية
وترى هآرتس أن استبعاد العرب من معادلة تشكيل الحكومة ليس مجرد حساب انتخابي أو مناورة لتأمين الأغلبية البرلمانية، بل يعكس موقفا أيديولوجيا عميقا من مفهوم الشراكة السياسية والمواطنة المتساوية.
فهذا الإقصاء، حتى إن لم يكن مقصودا في نتائجه النهائية، يضع أسس الدولة الإسرائيلية أمام تناقض جوهري؛ إذ كيف يمكن الجمع بين وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية وديمقراطية، بينما يُحرم جزء من مواطنيها من حق المشاركة السياسية المتكافئة، وتُعامل أصواتهم باعتبارها عبئا على شرعية الحكم؟
إن مبدأ الدولة الديمقراطية يفترض أن تكون المواطنة أساس الحقوق السياسية، وأن يشكل الطابع اليهودي للدولة، وفق التصور المعلن، مبدأ لا يلغي مقتضيات الديمقراطية ولا يفرغها من مضمونها.
حكومة التغيير قد تعيد إنتاج ما وعدت بإسقاطه
وتحذر القراءة التي تقدمها الصحيفة من أن هذا المنطق قد يحول أي حكومة مقبلة، سواء تشكلت في صيغة حكومة وحدة أو حكومة أقلية تستند إلى تفاهمات برلمانية، إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية للأغلبية اليهودية، بدلا من أن تكون مدخلا لتغيير قواعد اللعبة.
وهكذا، يجد معسكر “التغيير” نفسه أمام تناقض يتجاوز الحسابات العددية للمقاعد: كيف يمكن إسقاط نتنياهو سياسيا مع الإبقاء على المنطق الإقصائي الذي ساهم في تكريس حكمه؟ وكيف يمكن الحديث عن إنقاذ الديمقراطية بينما تُستبعد الشراكة مع المواطنين العرب، ويُفتح الباب أمام التحالف مع قوى اليمين المتطرف؟
إن المعضلة، كما تبرزها هآرتس، ليست فقط مَن سيحكم إسرائيل بعد نتنياهو، بل أي إسرائيل ستُبنى بعده: دولة تقوم على المواطنة والمساواة السياسية، أم نظام يواصل احتكار الأغلبية للقرار ويجعل من هوية الشريك أهم من طبيعة المشروع السياسي الذي يحمله؟
اقرأ أيضا…




