الرئسيةحواراتدابا tvسياسة

المنوزي لـ«دابا بريس»: الأمننة تعيد المغرب إلى الوراء

أدارت الحوار: المكودي بثينة

في حوار مع «دابا بريس»، يقدم الحقوقي مصطفى المنوزي قراءة نقدية لمسار الانتقال الديمقراطي بالمغرب، معتبرا أن «الانتقال الموعود» لم يستكمل مساره، وأن الانتقال الأمني ظل الحلقة الغائبة في التحول المنشود، في ظل عودة بعض المؤشرات التي تذكر بسنوات الرصاص.

ويتوقف المنوزي عند مفهوم «ضمير الذاكرة» باعتباره مدخلا للإنصات إلى الضحايا وتوثيق الانتهاكات والانتقال من الذاكرة إلى التاريخ، وصولا إلى المساءلة.

كما يثير الجدل المرتبط بتصريحات عرشان، معتبرا أن ظهوره «مقصود»، ومشددا على أن النقاش بشأن انتهاكات الماضي لا ينبغي أن يختزل في أشخاص بعينهم، بل يجب أن يمتد إلى مسؤولية الدولة ومؤسساتها، وضرورة كشف الحقيقة وإتاحة الأرشيف وضمان عدم الإفلات من العقاب.

الانتقال الموعود.. تحول لم يكتمل

وفي سؤال ل”دابا بريس” قال تحدثتم مؤخرا، في حوار مع قناة «بديل أنفو»، عن عدم حدوث الانتقال الموعود، كما أثَرتم مفهوم «ضمير الذاكرة» والسرديات الأمنية، كيف تقرؤون هذه المفاهيم في ضوء الوضع الحقوقي الراهن، وما الذي يتطلبه استكمال مسار الانتقال الديمقراطي وكشف الحقيقة بشأن انتهاكات الماضي؟

مصطفى المنوزي:

ويجيب المنوزي، إن الانتقال الموعود كان يفترض أن ينقلنا من وضعية إلى أخرى. والمسلسل طويل، لكن المدخل الأساسي إليه هو الانتقال الأمني.

فإذا لم يتحقق هذا الانتقال على مستوى عقيدة الحكم، فإن التحول يظل غير مكتمل.

فالدولة والوطن والمواطنون ينبغي أن يكونوا في صدارة الأولويات، بينما يحظى النظام بأكبر قدر من الحماية والعناية، وتُسخر الإمكانيات أساسا لضمان استمراره.

لقد عشنا، يضيف المتحدث ذاته، تجربة حركة 20 فبراير، وكان موقفنا أنه، مهما كانت الظروف، لا ينبغي أن نصل إلى وضعية تغيب فيها الدولة أو تنهار مؤسساتها، كما حدث في بلدان أخرى، من بينها ليبيا وسوريا. فمن دون الدولة لا يمكن ضمان الحد الأدنى من التنظيم والحماية.

لكن المطلوب هو أن يقدم النظام تنازلات على مستوى الحماية والامتيازات لفائدة الدولة، حتى تنتقل من اختزال الاستقرار في مجرد الضبط الأمني إلى تحقيق التنمية والانتقال الديمقراطي.

للأسف، أُجهض الانتقال الموعود، لأننا عدنا إلى بعض المؤشرات القريبة من سنوات الرصاص، وهو ما يؤكد أن الانتقال الأمني لم يتحقق بالشكل المطلوب.

«ضمير الذاكرة».. الإنصات للضحايا قبل كتابة التاريخ

وتابع المنوزي في الحوار نفسه، أنه مازال السياسيون يتعاملون مع الذاكرة بمنطق عقلاني براغماتي، بالمعنى السلبي، بينما نحن في حاجة إلى ضمير الذاكرة، الذي يقتضي أولاً الإنصات إلى الضحايا، وإرساء حكامة للذاكرة وتوثيقها، على أن تكون الكلمة الأولى للضحايا باعتبارهم جماعة.

ومن الذاكرة ننتقل إلى التاريخ، ومن التاريخ يمكن أن ننتقل إلى المساءلة. لكن دور المؤرخ والقضاء يظل مؤجلاً، ما دمنا لم نوثق ذاكرتنا بالشكل المطلوب.

لدينا ذاكرات فردية متعددة، وما يمكن تسميته بالنرجسيات الجماعية، وهي مجموع النرجسيات الفردية، الأمر الذي يجعل بناء كتابة جماعية أمراً صعباً. فكل طرف يفسر الوقائع انطلاقاً من تجربته وموقعه.

الحقيقة قد تكون نسبية من حيث تعدد زوايا النظر، لكنها تصبح عرضة للتحريف عندما تخضع للأمننة أو تُختزل في سرديات أمنية، كما يظهر في بعض النقاشات المرتبطة بملف عرشان.

المنوزي: ظهور عرشان «مقصود».. والإهانة داخل البام دفعته إلى رد الفعل

وفي حديثه عن الجدل المرتبط بعرشان، قال المنوزي إن ظهوره «مقصود»، موضحاً أن الإهانة التي تعرض لها داخل حزب الأصالة والمعاصرة دفعته، حسب قراءته، إلى تصريف حساباته داخل مجلس المستشارين، والتلويح بمعرفته بهوية أشخاص وصفهم بالجلادين.

وأوضح المنوزي أن عرشان يتحدث، من خلال هذه التصريحات، من موقع شخص يعتبر نفسه ممتلكاً لمعطيات وأرشيف بشأن مرحلة تاريخية حساسة، بما فيها تصفية المقاومين خلال الفترة الممتدة بين 1956 و1959.

غير أن المنوزي شدد على أن القضية لا ينبغي أن تختزل في شخص عرشان، أو أن يتحول الحديث عن الماضي إلى وسيلة لتبييض المسؤوليات، مؤكداً أن الدولة تتحمل المسؤولية عن مختلف مراحل الانتهاكات، سواء ارتُكبت بشكل مباشر من طرف مؤسساتها أو من خلال أشخاص اشتغلوا داخلها.

مسؤولية الدولة.. ما وراء الأسماء والأشخاص

يقول المنوزي: حاولنا التأكيد على أن القضية لا تتعلق بعرشان وحده، بل بالدولة بكاملها، فالدولة مسؤولة عن موظفيها وعن المؤسسات التي اشتغلوا داخلها، ولا يمكن اختزال الانتهاكات في شخص واحد أو مجموعة محدودة من الأشخاص.

لقد قبلنا في مرحلة سابقة بما يمكن اعتباره تنازلا إيجابيا، أو تأجيلاً للنقاش بشأن المسؤوليات الفردية، مقابل الحصول على معطيات تساعد على كشف الحقيقة، خصوصاً من الأجهزة الأمنية والعسكرية والدرك الملكي، بشأن مصير المختفين قسراً والمجهولي المصير.

لكن إذا اتضح أن الملفات لم تُحسم، وأن هناك حاجة إلى العودة إلى المساءلة، فإن ذلك يفرض إعادة طرح السؤال بشأن المسؤوليات الفردية،وهنا يأتي دور العائلات والجمعيات الحقوقية، بما فيها المنتدى، في تبني الملفات ومواكبتها.

ويمكن، من زاوية معينة، اعتبار عرشان ضحية للدولة، لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية، ولا يمنحه الحق في تبييض ماضيه. فإذا كان يمتلك معطيات أو أرشيفاً يساعد على كشف الحقيقة، فعليه أن يتحمل مسؤوليته تجاه الضحايا وعائلاتهم، وأن يكشف ما لديه من معلومات ووثائق.

فالصفح أو التوبة لا يمكن أن ينفصلا عن الحقيقة والاعتراف بما وقع. كما لا يمكن أن يكون النسيان بديلاً عن الحقيقة، أو وسيلة لإغلاق الملفات دون إنصاف الضحايا.

جيل جديد من الإصلاحات لضمان عدم التكرار

يتابع المنوزي، يبدو أن العملية السياسية التي رافقت العهد الجديد قد استنفدت جزءاً كبيراً من إمكاناتها، ولم تعد قادرة على تحقيق التحول المطلوب من دون إطلاق جيل جديد من الإصلاحات.

نحن في حاجة إلى ضمان عدم التراجع عن المكتسبات، وإلى احترام الالتزامات المرتبطة بتوصيات العدالة الانتقالية. كما نحتاج إلى استراتيجيات واضحة لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وآليات فعالة لمحاربة الإفلات من العقاب، إلى جانب حفظ الذاكرة.

ولا يمكن الحديث عن مصالحة مكتملة إذا ظلت المسؤوليات معلقة، ولم تتمكن العائلات من الحصول على أجوبة بشأن مصير أبنائها.

الأرشيف ورفات الضحايا.. مدخل أساسي لكشف الحقيقة

حفظ الذاكرة يقتضي، يؤكد، في المقام الأول، إتاحة الأرشيف والوثائق التي تساعد على كشف الحقيقة،فهناك مقتضيات قانونية مرتبطة بالأرشيف وإمكانية الاطلاع عليه بعد مرور مدد زمنية معينة، وهو ما يستدعي تحريك هذا الملف وتفعيل القواعد القانونية ذات الصلة.

وبالموازاة مع ذلك، يجب تمكين العائلات من المطالبة برفات ذويها، والحصول على الوثائق المتعلقة بهم. فمن حق كل عائلة أن تعرف مصير ابنها أو قريبها، وأن تتوفر على المعطيات التي تساعدها على فهم ما جرى.

بعد ذلك تأتي الخبرة والتحقيق والمساءلة، باعتبارها حلقات مترابطة في مسار لا يمكن اختزاله في إجراء واحد.

الحركة الحقوقية في حاجة إلى نفس جديد

إلى ذلك اعتبر المنوزي، وضعية المنتدى والجمعيات الحقوقية تطرح بدورها أسئلة بشأن الحاجة إلى إعادة التأهيل والتأطير وتجديد آليات العمل. فالمشروع الحقوقي يحتاج إلى نفس جديد، وإلى إعادة ترتيب الأولويات بما يسمح بالتعامل مع الملفات في حجمها الحقيقي.

نحن بحاجة إلى تقوية العمل الجماعي، وإعادة تأهيل الجمعيات الحقوقية حتى تتمكن من مواصلة الدفاع عن الضحايا ومواكبة العائلات في مسار البحث عن الحقيقة والإنصاف.

ولا ينبغي التعامل مع الذاكرة باعتبارها مجرد ملف من ملفات الماضي التي يمكن تجاوزها بمرور الزمن؛ فالذاكرة جزء من الحاضر، ومن شروط بناء المستقبل الديمقراطي.

وأتمنى أن تتجه الجهود نحو جوهر القضية، وأن نستعيد النقاش حول الحقيقة والمساءلة وضمانات عدم التكرار، بدل أن تضيع هذه القضايا في التفاصيل والاعتبارات الظرفية.

وفيما يلي نص الحوار:

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى