
انتقد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، من موقع المعارضة، اختيارات الحكومة في تدبير التعليم ودافع عن أولوية المدرسة العمومية.
واليوم، بعد تعيينه وزيرا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لم يعد السؤال متعلقا بما ينبغي أن تفعله الحكومة، بل بما سيقرره هو داخلها.
لم يكن تعيين نبيل بنعبد الله على رأس قطاع التعليم مجرد انتقال عادي من المعارضة إلى الأغلبية، فالرجل يدخل الوزارة محملا بخطاب سياسي طالما شدد على ضرورة إنصاف المدرسة العمومية، وتحسين جودة التعلمات، وتوفير الشروط المادية والبشرية الكفيلة بإنجاح الإصلاح، لكن هذا الخطاب نفسه يتحول اليوم إلى التزام سياسي قابل للمساءلة، لأن صاحب الانتقادات أصبح جزءا من الجهاز التنفيذي المسؤول عن القرارات والميزانيات والنتائج.
إنه اختبار يتجاوز شخص الوزير إلى مصداقية حزب التقدم والاشتراكية، الذي اختار المشاركة في الحكومة. فهل ستكون هذه المشاركة فرصة لترجمة المواقف إلى سياسات عمومية، أم أن منطق التوافقات الحكومية سيجعل الانتقادات السابقة أقل حدة، والوعود أقل سقفا؟
أرقام ثقيلة.. وقطاع لا يحتمل مزيدا من الانتظار
لا يبدأ نبيل بنعبد الله مهمته من فراغ. فهو يتسلم قطاعا يضم ملايين التلاميذ ومئات الآلاف من المدرسين، وتُرصد له موارد مالية ضخمة، بينما لا تزال مؤشرات الهدر المدرسي وجودة التعلمات تطرح أسئلة جوهرية حول مردودية الإنفاق العمومي.
مؤشرات أساسية أمام الوزير الجديد
8.27 مليون تلميذة وتلميذ في مجموع المنظومة التعليمية خلال الموسم 2025-2026
7.004 ملايين تلميذة وتلميذ بالتعليم العمومي
299 ألفاً+أستاذة وأستاذ في التعليم العمومي
و97 مليار درهم الميزانية المعلنة لقطاع التعليم برسم 2026
هذه الأرقام تكشف حجم المسؤولية، لكنها لا تثبت وحدها نجاح السياسة التعليمية أو فشلها. فارتفاع الميزانية من 68 مليار درهم سنة 2019 إلى 97 مليارا سنة 2026، وفق المعطيات الحكومية، يفرض سؤالا مشروعاً: كيف انعكس هذا الارتفاع على المدرسة التي يرتادها أبناء الأسر المغربية، وعلى مستوى التعلمات، وظروف اشتغال المدرسين، والفوارق بين المجالين الحضري والقروي؟
إن التحدي الحقيقي ليس الإعلان عن موارد إضافية، بل تحويلها إلى نتائج قابلة للقياس. فالتلميذ لا يستفيد من حجم الميزانية في حد ذاته؛ يستفيد من مدرسة مجهزة، وأستاذ متفرغ لمهمته، وقسم ملائم، ودعم تربوي يضمن ألا يتحول التعثر الدراسي إلى مغادرة نهائية للمدرسة.
276 ألف منقطع عن الدراسة.. الرقم الذي ينبغي أن يطارد الوزير
إذا كان هناك مؤشر واحد ينبغي أن يحتل صدارة أجندة الوزير الجديد، فهو الهدر المدرسي.
فبحسب التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بلغ عدد التلميذات والتلاميذ المنقطعين عن الدراسة في الأسلاك الثلاثة للتعليم العمومي خلال الموسم الدراسي 2024-2025 نحو 276 ألف و179 تلميذة وتلميذاً. ويتوزع هذا الرقم إلى 72 ألفاً و796 في الابتدائي، و144 ألفا و744 في الإعدادي، و58 ألفا و639 في الثانوي التأهيلي.
توزيع المنقطعين عن الدراسة خلال 2024-2025
هنا تحديدا سيُختبر الفرق بين الخطاب والممارسة، فهل سيكتفي الوزير بمواصلة البرامج القائمة، أم سيعلن هدفا رقميا واضحا لتقليص الانقطاع، ويحدد أجلا زمنيا لتحقيقه، وينشر حصيلة سنوية تسمح بمحاسبته؟
إن تقليص الهدر المدرسي لا يتحقق ببلاغات الوزارة، بل حين يصبح عدد التلاميذ الذين يغادرون المدرسة أقل فعلا، وحين لا يعود الفقر أو بُعد المؤسسة أو ضعف التحصيل حكما على مستقبل الطفل.
مدارس الريادة.. هل يراجع بنعبد الله ما انتقده أم يواصل ما ورثه؟
من الملفات التي ستضع الوزير الجديد أمام امتحان سياسي وتربوي مباشر، مشروع «مدارس الريادة»، الذي شكل أحد أبرز عناوين الإصلاح في الولاية الحكومية السابقة.
فقد أبدى بنعبد الله، وفق ما نقلته تقارير صحفية عن مواقفه السابقة، تحفظات بشأن طريقة تدبير المشروع ومخاطر تركيز الجهود على مؤسسات محددة، بما قد يوسع الفوارق بينها وبين باقي المدارس العمومية، واليوم، لم يعد كافيا أن يكتفي بتكرار هذه التحفظات؛ إذ أصبح مطالبا بتقديم تصور عملي لمستقبل المشروع.
المطلوب ليس إلغاء كل ما أنجزته الحكومة السابقة لمجرد أنه يحمل بصمتها السياسية، ولا الاستمرار فيه باعتباره أمرا واقعا لا يقبل المراجعة. المطلوب هو إخضاع التجربة لتقييم موضوعي ومستقل، يجيب عن أسئلة واضحة:
هل تحسنت مكتسبات التلاميذ فعلا، وبأي قدر؟
هل استمر التحسن خارج المؤسسات المستفيدة من البرنامج؟
هل تتقلص الفوارق بين المدارس، أم تتسع؟
ما الكلفة الفعلية لكل تلميذ مستفيد، وما النتائج المحققة مقابلها؟
تقول الحكومة السابقة إن مدارس الريادة ساهمت في استدراك ما يعادل سنتين من التأخر الدراسي لدى الفئات المستهدفة، وإن الهدر المدرسي تراجع من 8.4% إلى 4.4% داخل المؤسسات المعنية. لكن هذه الأرقام، حتى إذا تأكدت بمنهجية تقييم مستقلة، تخص المؤسسات المعنية ولا يجوز تعميمها تلقائيا على مجموع المنظومة التعليمية.
هنا تكمن مسؤولية بنعبد الله: أن يحول انتقاده السابق إلى معايير تقييم معلنة، وأن يوضح ما سيحتفظ به من المشروع، وما سيعدله، وكيف سيضمن استفادة المدرسة العمومية بأكملها من الإصلاح.
التعليم الأولي.. تقدم بالأرقام ومسؤولية في تعميم الجودة
لا ينبغي أن ينحصر تقييم الوزير في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية؛ فالتعليم الأولي هو أحد المفاتيح الأساسية لتكافؤ الفرص.
تشير معطيات التقييم الوطني إلى ارتفاع معدل تمدرس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات من 50.2% سنة 2015 إلى 70.4% سنة 2025.
كما ارتفع عدد وحدات التعليم الأولي العمومي من 6,185 وحدة خلال الموسم 2018-2019 إلى 23,182 وحدة خلال الموسم
هذه حصيلة كمية مهمة، لكنها تطرح تحديا جديدا: توسيع الولوج لا يكفي إذا لم يصاحبه تحسين جودة التأطير والتكوين والفضاءات التربوية.
فالمطلوب من الوزير هو الانتقال من قياس عدد الأطفال الملتحقين إلى قياس ما يكتسبونه فعليا من مهارات أساسية، مع ضمان ألا يتحول عنوان تعميم التعليم الأولي إلى تغطية رقمية تخفي تفاوتا في الجودة بين المناطق.
المدرسون والميزانية.. أين ستظهر بصمة الوزير؟
تتجاوز مسؤولية نبيل بنعبد الله البرامج والمشاريع إلى العلاقة مع نساء ورجال التعليم، الذين يشكلون العمود الفقري لأي إصلاح.
ومع وجود أكثر من 299 ألف أستاذة وأستاذ في التعليم العمومي، يصبح تحسين ظروف العمل والتكوين المستمر والاستقرار المهني، إلى جانب معالجة الاختلالات المرتبطة بتوزيع الموارد البشرية، جزءا لا يمكن فصله عن تحسين جودة التعلمات.
أما ماليا، فإن ميزانية تناهز 97 مليار درهم في 2026 تفرض الانتقال من منطق الاعتمادات المرصودة إلى منطق النتائج المحققة، فليس كل ارتفاع في الإنفاق دليلا تلقائيا على تحسن المدرسة، كما أن ضعف بعض النتائج لا ينفي بالضرورة وجود استثمارات مفيدة.
لهذا يحتاج الوزير إلى نشر مؤشرات دورية تربط الموارد بالأهداف: تطور الهدر المدرسي، ونسب التحكم في التعلمات الأساسية، وتراجع الاكتظاظ، وتحسن البنيات التحتية، ومدى الإنصاف في توزيع المدرسين والتجهيزات.
والأهم أن يكون تقييم هذه المؤشرات مستقلا وقابلا للتحقق، لا مجرد حصيلة تصدرها الوزارة عن نفسها.
المشاركة الحكومية.. هل يستطيع بنعبد الله ممارسة النقد من داخل الحكومة؟
هذا هو السؤال السياسي الأكثر حساسية في تعيين الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية.
فالحزب الذي انتقل إلى المشاركة في الحكومة أصبح مطالبا بإثبات أن دخوله إليها ليس مجرد تموقع سياسي، بل وسيلة للتأثير في السياسات العمومية، وقطاع التعليم تحديداً يوفر اختبارا واضحا لهذه الفرضية، لأنه يرتبط مباشرة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومصير الأجيال المقبلة.
لن يكون من المنصف مطالبة الوزير بحل جميع اختلالات المنظومة خلال أسابيع أو أشهر، فالإصلاح التعليمي يحتاج إلى الاستمرارية، وإلى تنسيق بين مؤسسات وقطاعات متعددة، وإلى موارد بشرية ومالية، لكن ذلك لا يعفيه من تحديد الأولويات، والإعلان عن أهداف قابلة للقياس، ومصارحة الرأي العام بما يمكن إنجازه وما تعترضه صعوبات.
كما أن المشاركة الحكومية لا ينبغي أن تعني إسكات النقد داخل الحزب الذي يقوده، فإذا كان بنعبد الله قد انتقد اختيارات سابقة باسم الدفاع عن المدرسة العمومية، فإن من حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي تغير في تلك الاختيارات، وما الذي سيعمل على تغييره، وما الذي سيعتبره خطا أحمر لا يقبل التنازل عنه.
من رصيد المعارضة إلى امتحان المسؤولية
يملك نبيل بنعبد الله اليوم فرصة سياسية، وفقا لخط واختيارات حزبه، حقيقية ليبرهن أن المعارضة ليست مجرد قدرة على تشخيص الاختلالات، وأن المشاركة في الحكومة بالشروط السياسية والدستورية التي عليها يمكن أن تكون مدخلا لتغيير السياسات لا مجرد موقع جديد داخلها.
لكن هذه الفرصة ستظل رهينة بما سيقرره، لا بما سيقوله. فالأرقام التي ورثها ليست مجرد معطيات تقنية؛ إنها مؤشرات على حجم المسؤولية، وعلى المسافة التي ما زالت تفصل بين الطموحات المعلنة والنتائج التي ينتظرها المغاربة.
إذا كان بنعبد الله قد طالب الحكومة، من موقعه السابق، بإعطاء المدرسة العمومية ما تستحقه من أولوية، فعليه اليوم أن يثبت أن هذه الأولوية ليست خطابا يتغير بتغير الموقع السياسي.
سيكون نجاحه الحقيقي في أن يغادر منصبه، عندما يحين ذلك، تاركا مدرسة عمومية أفضل مما تسلمها: انقطاع أقل عن الدراسة، وتعلمات أقوى، وفوارق أضيق، ومدرسون أكثر استقرارا، وميزانية تترجم إلى نتائج ملموسة.
أما إذا انتهى الأمر إلى إعادة إنتاج الخطاب نفسه، مع استمرار المؤشرات نفسها، فسيكون السؤال الذي سيواجهه ليس لماذا لم ينجح في إصلاح التعليم دفعة واحدة، بل لماذا لم تتحول الوعود التي دافع عنها قبل تولي المسؤولية إلى أهداف واضحة وخطوات قابلة للمحاسبة بعد أن أصبح صاحب القرار.
في التعليم، لا تمنح المناصب صكوك النجاح، ولا تكفي المعارضة لإثبات امتلاك البديل. وحدها النتائج هي التي ستحدد إن كان نبيل بنعبد الله قد دخل الوزارة لتغيير واقع المدرسة العمومية، أم أن الوزارة ستغير بدورها سقف انتقاداته ووعوده.




