
تجد فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، نفسها أمام اختبار سياسي وحقوقي مبكر: كيف يمكن لحكومة تقودها امرأة أن تجعل المساواة أولوية فعلية، بينما لا تتجاوز نسبة النساء داخل تشكيلتها 21,88 في المائة؟
سؤال يضع رمزية هذا التعيين التاريخي في مواجهة واقع التمثيلية النسائية، ويعيد إلى الواجهة الفجوة القائمة بين الالتزامات الدستورية والممارسة السياسية.
لا يكفي أن تصل امرأة إلى قمة الجهاز التنفيذي حتى يصبح مسار المناصفة محققا
فبالنسبة إلى جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، لا يكفي أن تصل امرأة إلى قمة الجهاز التنفيذي حتى يصبح مسار المناصفة محققا، ما دامت النساء ما زلن بعيدات عن تقاسم السلطة ومراكز القرار على قدم المساواة مع الرجال.
ومن هذا المنطلق، أعادت الجمعية دق ناقوس الخطر بشأن استمرار ضعف حضور النساء داخل المؤسستين التنفيذية والتشريعية، محذرة من اختزال المساواة في إشارات رمزية لا تغير بنية المؤسسات.
سبع نساء في حكومة من 32 عضوا
رغم تثمين الجمعية تولي امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى، فإنها اعتبرت أن التشكيلة الحكومية الجديدة لا تعكس التحول المنتظر في اتجاه المناصفة.
فمن أصل 32 عضوا، لا تضم الحكومة سوى سبع نساء، أي بنسبة 21,88 في المائة، بينهن رئيسة الحكومة ووزيرتان وأربع وزيرات منتدبات.
وتكشف هذه الأرقام، وفق القراءة التي تتبناها الجمعية، عن محدودية التقدم المحقق في تمثيلية النساء داخل الجهاز التنفيذي، كما تطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد الحكومة الجديدة لترجمة المساواة إلى سياسة عمومية عابرة لمختلف القطاعات، بدل الاكتفاء بالحضور النسائي المحدود في التشكيلة الحكومية.
فالاختبار الحقيقي لرئاسة امرأة للحكومة لا يرتبط فقط بمن تتولى المنصب، بل أيضا بمدى قدرتها على جعل النساء شريكات فعليات في صناعة القرار وتدبير الشأن العام.
107 نائبات.. لكن المناصفة ما تزال بعيدة
على المستوى البرلماني، سجلت الجمعية ارتفاع عدد النساء بمجلس النواب إلى 107 نائبات من أصل 395 عضوا، بنسبة 27,09 في المائة. غير أن هذه الزيادة، بحسب المعطيات التي استندت إليها، لا تخفي استمرار الاختلال في فرص الوصول إلى المؤسسة التشريعية.
فمن بين النائبات، وصلت 90 امرأة عبر الدوائر الجهوية المخصصة، مقابل 17 فقط فزن بمقاعد عن طريق الدوائر المحلية.
ويطرح هذا التفاوت سؤالا جوهريا حول مدى استعداد الأحزاب السياسية لمنح النساء فرصا تنافسية حقيقية داخل الدوائر المحلية، حيث تتحدد مواقع النفوذ الانتخابي وتوزع التزكيات وفق حسابات سياسية وتنظيمية.
وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بعدد النساء داخل البرلمان، بل كذلك بالمسارات التي أوصلتهن إليه، ومدى تمتعهن بفرص متكافئة في التنافس على المقاعد الانتخابية.
الأحزاب السياسية في قفص المساءلة
حملت الجمعية الأحزاب السياسية جانبا أساسيا من مسؤولية استمرار ضعف التمثيلية النسائية، مستندة إلى محدودية إسناد قيادة اللوائح المحلية للنساء خلال الانتخابات الأخيرة.
فمن أصل 1615 لائحة محلية، لم تترأس النساء سوى 121 لائحة، بنسبة لا تتجاوز 7,49 في المائة. وهي أرقام تثير، بحسب الجمعية، أسئلة مباشرة بشأن معايير اختيار المرشحين والمرشحات، وطبيعة التزكيات الحزبية، ومدى استعداد التنظيمات السياسية للتخلي عن الممارسات التي تحصر النساء في مواقع انتخابية أقل حظا.
وتعيد هذه المعطيات النقاش إلى مسؤولية الأحزاب في الانتقال من الخطاب المؤيد للمساواة إلى ممارسات تنظيمية تضمن للنساء الوصول إلى مواقع القيادة والتنافس على المقاعد المحلية، بدل إبقاء حضورهن رهينا بالدوائر المخصصة لهن.
بعد 15 سنة من دستور 2011.. المناصفة ليست وعدا مؤجلا
بعد مرور خمسة عشر عاما على إقرار دستور 2011، تدعو جمعية التحدي للمساواة والمواطنة الحكومة الجديدة إلى إدراج المناصفة ضمن أولويات برنامجها الحكومي باعتبارها التزاما دستوريا يتطلب إجراءات عملية، وليس مجرد هدف مؤجل إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
كما تطالب الأحزاب بمراجعة بنياتها الداخلية وآليات اختيار مرشحيها، وتعزيز حضور النساء في مختلف هياكل مجلس النواب، بما فيها مكتب المجلس واللجان الدائمة والفرق البرلمانية، إلى جانب اتخاذ تدابير أكثر صرامة لمواجهة العنف السياسي والرقمي الذي يستهدف النساء، ويحد من مشاركتهن في الحياة العامة.
وتؤكد الجمعية، من خلال هذه المطالب، أن تحقيق المناصفة يقتضي إصلاحا يتجاوز الأرقام المعلنة إلى تغيير القواعد والممارسات التي تتحكم في توزيع السلطة والمسؤولية.
امرأة على رأس الحكومة.. هل تتغير قواعد اللعبة؟
تضع هذه المعطيات الحكومة الجديدة أمام مفارقة سياسية واضحة: امرأة تتولى رئاسة الحكومة للمرة الأولى في تاريخ المغرب، لكنها تقود تشكيلة لا تصل فيها نسبة النساء إلى الربع، في وقت لا تتجاوز فيه حصتهن داخل مجلس النواب 27,09 في المائة.
ولا تقل أهمية هذا التناقض عن رمزية السابقة التاريخية نفسها؛ لأن نجاح التجربة لا يقاس فقط بكسر الحاجز المرتبط بجنس رئيس الحكومة، بل أيضا بقدرتها على توسيع مشاركة النساء في مراكز القرار، وضمان استقلالية حضورهن السياسي، وإقرار قواعد أكثر إنصافا في التمثيل والتنافس.
فالمناصفة ليست امتيازا تمنحه الأحزاب أو الحكومات للنساء، بل حق دستوري يقتضي أن ينعكس على تركيبة المؤسسات وعلى الممارسة السياسية اليومية.
ومن هنا، فإن أول اختبار للحكومة التي تقودها امرأة لن يكون في رمزية رئيستها وحدها، وإنما في قدرتها على تجاوز واقع تمثيلية نسائية لا تزال تدور حول 20 في المائة داخل الجهاز التنفيذي، والانتقال من الاعتراف بالمساواة إلى بناء شروطها الفعلية.





